‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرحيل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرحيل. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 31 مارس 2009

رمضان الكندي مرة أخرى ، وكرة الصوف



عاد رمضان الكندي . كانت أول مرة أقابله فيها منذ عام ، كنا نحترم بعضنا كثيرا ، أجلـلته ، وغمرتني سكينة لا أظن أنني كنت أتصنعها . واحترمني بدوره ، كان يربت على كتفي حينما أفطر وحيدا ، ويرسل لي صوت أمي يسألني عما صنعت من فطور ، وكيف هو الصيام هنا .
إلا أنه في هذا العام ، على أنني ما رأيته منذ سنة ، جاء كصديق قديم ، يصفعني على قفاي ويضحك . يرونه أهلي في الرياض من بعــــيد ، أنا وهو ، نقطتين متعانقتين ،ومعرفة سابقة ، ولا يسألني أحد عن التفاصيل .
كم استثقلت حضوره في بداية عودته . وقته أطول . عمله أكثر . وروحانيته أقل . صداعه يمتد من الثامنة صباحا وحتى السادسة مساءا . قبل أن أنام وأصحى على صوت المنبه الذي يؤذن بطريقته الخاصة .
في اليوم الأول ، عزمت نفسي على سفرة أرضية ، صنعت قهوة عربية ، ووضعت حبات من التمر قبل أن أكتشف أن صلاحيته انتهت ، وإبريق شاي ، خبز ٌ دافيء ، وزيت زيتون ، ولبنة . وعادت الروحانية بجيوشها ، بحثت عن مصحفي الصغير . كرهت تفكيري الطفولي ، جالست رمضان الكندي على السفرة ، وأعتذرت عن سخافتي ، واستثقالي لحضوره ، توقف عن الضحك ، لم يتوقف عن صفعي في الأيام التالية ، لكنني كنت أحتسب الصفعات ، وأبتسم .
كل يوم ، له خريطة خاصة به ، قبل أن يؤذن المغرب ، وأصل إلى الكنز . ثم أتضاءل أمام نفسي حينما أفتح الصندوق . أعزم أن أكون أكثر صبرا ، ويزيد صبري في كل يوم ، إلا أن الخريطة تتغير في كل يوم بدورها .
قررت أن أطلب من رمضان أن يعلمني الصبر ، وتقدير نعم الله علي ، في اليوم التالي ذهبت إلى المستشفى في الثامنة صباحا ، قبل أن أغادر بعد أن انتهى الدوام إلى البيت منتظرا (بياجر) المستشفى الآخر ، أولها جاء في السادسة ، ذهبت إلى هناك ، وأفطرت على قهوة ، على مرمى من عين المريض الذي جئت لأراه . لم أغادر إلا في الواحدة والنصف صباحا ، لم أجد أحدا يستقبل جياع الليل سوى ماكدونالدز ، أخذت مكاني واقفا بين الكثير من المراهقين الصاخبين ، والصاخبات بعد أن شربوا كل مافي علب الليل قبل أن تغلق ، وتلفظهم إلى الشارع . شعرت وكأني حصان على شجرة قرود . ابتسمت للفكرة ، وظنت قردة سوداء أنني أبتسم لها ، تأكدت من فكرتي ، لو لم أكن حصانا لما لاحظتني بين هذا الكم من القردة .
أكلت صامتا كطفل يقضم رغيفه في الزاوية . أتحسس (بيجري) ، وأحملق في اللوحة على الجدار ، وكأنني أنفذ إلى ما خلفها . أفكر في العودة إلى البيت ، أخبرتني الممرضة قبل أن أغادر أن ثمة مريضة يمكن أن يحولهاطبيب الإسعاف إلينا ، لكنها لا تعلم متى ستكون جاهزة . قررت أن أذهب إلى البيت ، ربما أتسحر بطريقة أفضل ، ربما لا يحتاج الطبيب لتحويلها .
في الدقيقة الثالثة من دخولي إلى الشقة ، زعق البيجر كديك ٍ لم يدربه أحد على الزعيق فقط في أوقات الزعيق ، المريضة تنتظر ، خرجت إلى هناك . قرأت في ملف المريضة ، قابلتها مع صديقها ، قابلتها بعد ذلك لوحدها ، وخرجت لأكلم صديقها ، بكى من أجلها ، ربت على كتفه مطمئنا ، أدخلتها إلى المستشفى ، وخرجت منه ، فاتني السحور . لكنني شعرت وكأنني وجدت كنزا دون خريطة . خرجت مبتسما ، ابتسامة من وافق رمضان الكندي على أن يعلمه الصبر . توقفت عن النظر إلى الخرائط كل صباح . وأصبحت أفطر دون أن أخرج صناديقا من الحفر .
ذهب الجوع ، والعطش ، وتضاءل صداع القهوة ، والهواء الكثيف . وبقى شوق يتكور في حلقي مع كل فكرة أمضغها ، وأحاول بلعها فتتجمع ككرة من الصوف ، يعلق بها وجه أمي ، رائحة قهوتها ، ركبة أخي الذي يجلس بجانبي ، ابنه الذي لم أره بعد ، ابتسامات أخواتي ، كنبة الزاوية في الصالة ، صوت صلاة الحرم .ثوبي الأبيض .
أشعر وكأن كرة الصوف هذه ، مضمارا طويــلا أركض عليه كجسم ضئيل ، لا يراني أحد بعينه المجردة ، أركض ، وأركض ، وأقابل غابات من الشعر الذي لا يراه أحد كما أراه ، وأقابل الأشياء العالقة ،أتقيها بكفي ، أشم روائحها ، فلا يمكنني أكثر من ألتفت ، أحس بنغزات سريعة في قلبي ، ونغزات أبطأ ، على حسب سرعة الركض ، وكثافة الشعر ، أشعر بأنه بمجرد وصولي للرياض ، سأتوقف ، وأستلقي على الخيط ، الذي سيتكور سريعا فوقي وتحتي ويصبح كل شيء ككرة صوفٍ صغيرة ، أجلس داخلها ، وأتناول كل شيء بيديّ بعد أن تكوّر ، بلاحاجةٍ للركض ،وأملؤ الكرة/الخيط بروائح أخرى ، وأفكار ٍ أخرى ومشاعر أخرى ، قبل أن أمتطي ظهر طيارة العودة إلى هنا ، وأثبت طرف الخيط في الرياض ، وأمسك كرة الصوف التي تتفرع منه ، وأسحبه معي إلى كندا ، وتتمدد فوقه الروائح ، والأفكار ، والمشاعر ، الجديدة والقديمة .
ربما يلزمني أن أبحث عن جسم ضئيل آخر ، بخيط يشبه خيطي ، ونلصق الخيطين بجانب بعضهما ، باتجاهٍ واحد ، نمشي سوية في الطرق السالكة ، وننتقل من خيط إلى خيط كلما واجهنا غابة من الشعر في أحد الخيطين . فنصل سريعا ، دون نغزات ، لكن مشكلة الأجسام الضئيلة الأخرى ، أنها لا تخبر بكمية الشعر الموجود على خيوطها ، ويستحيل أن تراه بعينك المجردة قبل أن تقترب . فلا حيلة لي في رؤيته إلا بعد أن لصق الخيطين . وعندها قد تكون غابات الشعر ، هناك ، أكثر كثافة من غابات الشعر على خيطي ، بل ربما تكون كثيفة لدرجة اعتراض خيطي في مواقعه السالكة . وخيطي ، ربما يتفسخ منتجا مزيدا من الشعر حينما يمشي فوقه جسمين ضئيلين طوال الوقت .
أتخيل أيضاً ، أن ثمة أجسام ضئيلة تائهة في ملكوت الله لا خيوط لها تبحث فقط عن خيوط تتشبث بها ، وأخرى بخيوط بلاستيكية باردة لا تتكور ككرات الصوف الدافئة ، و"شعرها" له نهايات جارحة عندما يتفسخ ، ليس كالزغب في الخيوط الصوفية . وأملك ما يكفي من الإنصاف لأتخيل أيضا ، أن أجساما ضئيلة أخرى ، تتزحلق على خيوطٍ حريرية لا تتفسخ ، ربما سأسعد بالتزحلق فوقها ، لكن لا أدري كيف سيشعر الجسم الضئيل الآخر حينما أحتاج لدفء غابة كثيفة في خيطي الصوفي أريد أن نزورها سوية ، أو حينما أتكور داخل كرة الصوف ، أو حينما أحتاج للمرور من خلال نقطة عبور في غابة كثيفة لا بد لي من اختراقها .
الأجسام الضئيلة الأخرى ابتسمت لي كثيرا . تحاول أن تتشبث بخيطي في مواقعه السالكة . لكنني أخاف من أن لصق أي خيطٍ آخر ، قبل أن أكوّر خيطي ، ونسحبهما سويا . قدري أن أحمل كرتي الصوفية ، وأبحث عن كرة أخرى أتشبث أنا بها . وأحاول أن أحكم على تفاصيل الخيط من خلال شكل الكرة . وأسحب الخيطين من الرياض إلى كندا ، دون أن يتمزق شيء .
حتى ذلك الحين ، سألاعب خيطي ، وأتزحلق فوقه كبهلوانٍ ضئيل . أركض فوقه . أكوره وأفرده ، وأتسلق غاباته ، أتجاوز أكثرها تشابكا وأخرج لاهثا ،متعرقا ، متقطع الأنفاس ، وألتفت في كل الاتجاهات، دون أن يصفق لي أحد ! ودون حتى أن يراني أحد !
متعب
أتاوا - سبتمبر -2008

ابن أخي ...... !



ابن أخي ، خرج إلى العالم بالأمس ، يلاكم الهواء ، مغمض العينين . سيحتاج مخه الصغير  إلى  سبع سنين ،ليفهمني حينما أخبره ،إذا أمد الله في أعمارنا ،متى ، وأين ، سمعت بخبر ولادته .  وسيحتاج إلى عشرين سنة ، لكي يصبح قلبه الضئيل الآن كبيرا بما يكفي ليشعر بما شعرت به .  

صنع لي قرابة جديدة ، ونحلني لقباً لم أسمع أحدا يطلقه علي من قبل سوى تلطفاً  . أصبحت عمـّـاً .  وأصبح أخي أبـاً . هكذا في اللحظة التي تعقب الخروج من بوابة المستشفى ، وتسبق ركوب السيارة ، تتغير الأشياء .

هكذا دون أن أنتظر ولادة وشيكة ، ودون أن أقل ّ أحدا إلى المستشفى ، ودون أن أسلي انتظار أحد ، ودون أن أختبر ما يتوجب علي ّ فعله إذا كنت هناك .  أرجح أن القادم الصغير ، أطلق صرخته الأولى في الهواء ، وأتبعها بقبضتيه ، وشهق قلب أخي ، وخرج ليحادث أمي ، وقفز قلبها فرحاً لمقدم حفيدها الأول ، وتناثر دمع قليل الملح  هنا وهناك ، وأنا استمع بإنصات ، تعابير وجهي لا توحي بشيء ، قبل أن أخرج من المستشفى ، وتبدأ "شرطات" الحياة دبيبها واحدة واحدة ،في قفر هاتفي ، فينهال السرور كشلال ٍ كان ينتظر على سد في جغرافية ما ، مابين الرياض ، وبين أتاوا .

آه يا أخي ، تركتك في الرياض أخا ، وسأعود إليها لأجدك أبا ، تحمل في حضنك ابنك الصغير . أخبرك كم يشبهك ، وتعيرني إياه لأحمله ، لا يلقي لنا بالا ،يبتسم لنفسه ، ونظن أنه يبتسم لنا .

شعور لا أستطيع وصفه ، ذلك الذي شعرت به وأنا أرى صوره هنا على الشاشة ، ذلك المخلوق الصغير ،النائم في "زهمولته"  يثير فيّ مشاعرا غريبه . ثمة ذبذبات خفيفة ، في رأسي ، تصنع دوخة لذيذة ، وأخمن أنها تحدث لأنني أحفر حجرة جديدة في ذاكرتي ، جديدة تماما ، لم تكن موجودة من قبل سوى كفكرة ، وأصبحت شخصا ، برئتين ، يضع في الحجرة مايشاء ، وليس لي إلا أن أتفرج عليه يعبيء ذاكرتي .

أسبوعان يفصلاني عن ضم أصابعه الصغيرة حول سبابتي الكبيرة ، عن حمل جسده اللين الضئيل ، عن سماع بكائه الذي سيختلف كثيرا عن صوت أي بكاء مشابه ينغض علي نومي في طائرة العودة . عن التفرس في ملامح وجهه بعد أن رأيته صورته كصديقٍ افتراضي . عن تقبيل ذلك الذي صنع لي شوقا جديدا ، لم أختبر يوما كيف أودعه ، ولكنني أعود مشتاقا لرؤيته .

ذلك المخلوق الصغير ، الذي لا يعرفني ، ولا أعرف كم ستختلف بالنسبة له قبلتي عن ذبابة تحط على خده .كل ما أعرفه أنني أريد أن أضع قبلة على خده أكثر من أي ذبابة في العالم ! سأحتاج إلى أسبوعين حتى أصل إلى هناك ،طيرانا !

 

متعب

أتاوا-أغسطس 2008

يوم آخر





في يوم آخر ، كنت أشعر بحاجة للثرثرة ، أشعر وكأن تركيزي ، يشبه شخبطات طفلٍ بألوان شمعية على صفحة بيضاء .
أعود إلى الوراء خطوتين . أقرر أن أخرج إلى النهر ، فأغسل عينيّ بمياهه . وأختزل الألوان في الأخضر ، ولون الماء ، والصخور الرمادية ، والقوارب البيضاء  .
أين يمكن لي أن أجد عاملا مأجورا ، يشذب الشجيرات العصبية في عقلي ، لا أرغب في اقتلاع  كل شيء ، ولكنني بالتأكيد سأكون ممتنا لو استطعت قطع الزوائد لكي تتوقف عن سحب الأوكسجين من عروقي . وحتى لا أصطدم بها مرة أخرى ، ولكي أتمكن من توفير الغذاء والرعاية للأغصان التي تنمو رأسيا .
أستلقي كخشبة على حدود النهر ، أغمض عيني ، وأفكر .  
فاكهة أفكاري كثيرة ، أفكر فيما أختار منها ، لأخلطها بعقلي ، وأتذوقها بلساني وأحاول أن أصف ما أتذوق .
أشك أحيانا فيما إذا كانت كثيرة فعلا ، أم أنها غير مرتبة بالقدر الذي يجعلها تملؤ المكان .
انثناءات الزوايا العليا في صفحات الكتب المبعثرة ، الأوراق التي تملؤ الملفات والأدراج والحقائب ، الدفاتر التي سال عليها حبر كثير ، مرتب أحيانا ، ومبعثر أحيانا أكثر ،الرسائل التي لاتتعب من انتظاري ،  جهاز التحكم في التلفاز ، قائمة البرامج المسجلة ، صندوق مصباح الطاولة الذي لم أركبه بعد ،  صناديق الأشياء الصغيرة ، أقلام الخط ، عبوات الحبر ، حقائب السفر النصف فارغة ، أكوام الملابس على الشماعة ، وتلك التي تزدحم في الدولاب . البطانية التي لا أعرف كيف أغسلها .
صوت ماهر العقيلي وهو يقرؤ القرآن ، فيروز ، و  مقطوعات الإخوة الجبرانيين الثلاثة ، ساينفلد ، والواقفون الذين يمدون أياديهم إلى رئتيك كي تضحك .
صندوق البريد الإلكتروني الذي يغص بالرسائل التي نويت الإجابة عنها ونسيت ، ونويت الرجوع إليها وأبطأت . وسائط التخزين التي تغص بالصور ،والذكريات الحميمة ، قصاصات الجرائد التي بها بعض مني ، ولا أدري أين وضعتها ، الأوراق المهمة التي تتوزع في المكان كالأقلام الرخيصة .
علب القهوة ، كتب الطبخ . الأواني التي لم تغسل بعد .
نصف الصديق الذي رأيته بجوار نصف صديق آخر ، على رصيف ما في طريقي إلى قهوة وكتاب ، على كرسي حانة يشرب ، ورآني ولم يسلم خجلا . العزاب الآخرون من وطني ، الذين كنت استخدمهم دليلا على أنني يمكن لي أن أعيش بلا زوجة ، و يسقط كل يوم واحد منهم كأوراق الخريف .
أكوام الأيدي المتشابكة في الطرقات ، السيارات الفارهة ، والمشردون على الأرصفة ، وعربات المعوقين بلا أيدي وبلا أرجل وبابتسامات كثيرة  .
وطني الكبير ، الذي يعاملني كمحيط ، وأعامله كخشبة طافية . يختار لي أن أصعد أو أن أهوي  كما يشتهي .
أشياء كثيرة ، كل واحد منها يقود إلى أشياء أكثر ، أفلسف كل شي ء ، وأسرح كثيرا ولا يبدو أنني أستطيع أن أصل إلى شيء ، لا أدري كيف يمكن لي أن أوفق بين ما يدخل إلى عقلي وما يخرج منه ، أنا الذي أذهب إلى عملي صامتا - وأكتشف أنني لم أتحدث  منذ الأمس حينما يخرج صوتي في الاجتماع الصباحي  نائما لم تمرنه ولا حتى كلمة واحدة منذ الأمس  -  وأعود من عملي صامتا ، وأشاهد التلفاز صامتا ، وأركض صامتا ، وأسبح صامتا ، وأبتسم مع التلفاز صامتا ، وأحلق بعيني من النافذة صامتا  . وأرسم صامتا ، وأكتب صامتا .
أرسم الألوان ، المتشابكة ، على لوحات عمودية ، تصنع شرائحا في عقلي. أرسمها مبتسما أحيانا ، وسعيدا بعبقرية الفكرة التي خطرت لي . إلا أنها بعد أن تجمعت ، وتشابكت ، لم يعد يمكن لي أن أميز شيئا مما رسمت .
أفتح عيني على آخرها ، إلى قلب النهر ، أغسل كل شيء . كل شيء .
وأستلقي . أعصر الدماء التي تحمل الأكسجين من عقلي  إلى رئتي . وأتخيل أنني بذلك أمنعها من أن تصل إلى الفروع الدقيقة ،  البعيدة في شجيرات  عقلي ، والشرائح المتشعبة . فتموت .
أنهض  من فوق الحشائش الخضراء على حافة النهر  ، أجدها قد تلطخت بألوان كثيرة ،أندهش لثانية ،
 أمتطي دراجتي مسرعا ً ،
وأهرب .
 
 
أتاوا - يوليو 2008 

رحمك الله يا جدي



مات جدي .

رحل صامتا بعد أن قتله الملل على سريره . غادر الدنيا هناك في الرياض ، وأرسل إلى كندا حزنا لا يعبأ به أحد  سواي .  خبر ٌ نقله لي هاتفي الصغير الذي حشرت وطني وتاريخي في داخله ، سمعته في الرابعة عصرا وأنا أقلب أحزانا لأناس لا أعرفهم على هيئة أوراق في ملفات المستشفى .  صمتَ لثانيتين . قبل أن أدعو له بالرحمة ، وأقفل الخط .

أذهب إلى الحمام ، لأغسل الحزن عن وجهي.  ولم أفعل شيئا سوى أنني نثرت من الملح بعض  ما رسّب الحزن .  أعود إلى الملفات ، بقي لي مريضين لم أرهم ، أحاول أن أقرأ في ملفاتهم ، وكل كلمة تذهب إلى عقلي ، ليفسرها ، أو يفكر فيما يبني عليها ، أو حتى يراها ، تزدحم مع الصور ، والمشاعر ، والتخيلات هناك . رأيت وجه جدي ، بسرير ، وبلا سرير ، ابتسم ، وصلى واقفا ، وصلى جالسا ، رأيته بكفن ، لم أره .  تزاحم كل شيء ليعصر الماء من  فوهة عيني ، التي أصبحت كفوهة برتقالة مقطوعة الرأس ، تعصرها يد عابثة .تعصرها بما يكفي ليظهر الماء ولا يسيل ، وتفلتها ، وتعود لتعصرها مرة أخرى .

أكملت مابقي لي ، بعينين تلمعان . مشيت ببطء . استمعت بإنصات لذلك المريض الذي لم يعجبه أكل المستشفى ، بعد أن أحضرت له ماءا لأنه لا يستطيع أن يتحدث بارتياح بفم ٍ ناشف . المريضة الأخرى ، صامتة ، حتى الموت .قالولي في الصباح أنها ستموت . مسحت على رأسها ، دون أن أعلم ، أو أحاول أن أحلل لماذا فعلت ذلك، وخرجت .  ذهبت لأكتب عن أحزان لا أعرفها في الملفات . وانتهيت حينما جاءت الطبيبة السريلانكية المناوبة التي أراها لأول يوم وسألتني لماذا لا زلت هنا ؟ لا أدري لماذا قررت أن أخبرها   أنني تأخرت في الخروج ، لأنني تلقيت خبرا محزنا ، بدأ صوتي يرتعش ، تشاغلت بجمع أوراقي ، وخرجت قبل أن أنهار  على أول كتفٍ لا أعرفه .

خرجت محدقا إلى بلاطات الطريق . يالهذه المدينة التي ليس بها كتف واحد ألجأ إليه .  ذهبت إلى سيارتي ، صنعت من مقودها كتفا ً . وابتدأت أفكاري تثرثر . وتتزاحم حد الخروج من النوافذ المشرعة ، والنوافذ المغلقة . وفوهات البرتقال .

بيتنا القديم وذاكرتي الضبابية لمجلس يتوسطه جدي كالجبل . فرحتي عندما أصبحت طويلا بما يكفي لأقبل رأسه . الأعياد التي لم يمر منها عيدٌ واحد دون أن أسلم عليه . ابتدأتها وأنا أتلعثم في عبارات العيد المناسبة ، وكان يسألني عن النقود التي معي  والخمسة التي تطل برأسها من جيب ثوبي . والمسدس الذي أخبئه في يدي الأخرى . قبل أن أصبح يسألني لماذا لم أتزوج بعد ، ويقول لي (العيد الاخر وانت عريس ) . دلة القهوة التي علمني  كيف أمسكها في مجلس الرجال ، وكم هو المقدار المناسب لصب الفنجال . . تجويدي الذي يتحدث عنه أمام ضيوفه فيشعرني بالزهو .  قرآنه الكبير على مجلسه الخشبي ، الذي  قربه لي  كثيرا لأقرأ منه  . كان يحرجني طلبه لهذا أمام الجميع . ولكنني كنت فخورا بتقديره لي ورغبته في سماع قراءتي . المرة الأجمل كانت حينما بتنا جميعا في مزرعته البعيدة . ونهضنا من النوم لصلاة الفجر ، كان الجو بديعا ، أحضر لي قرآنه ، وطلب مني  أن أقرأ . وقرأت طويلا ً ولم أتوقف حتى بح صوتي ، وأغلقت القرآن لأسمع عبارات الثناء راضيا مزهوا  .

أقعده المرض . قبل أن يؤثر الصمت . وذهبت لأراه في آخر زيارة إلى الرياض . شعرت بأنها ستكون المرة الأخيرة . حدقت في وجهه الصامت ، ودعوت الله له . حملت ملامحه في وجهي . ورحلت .

أجري مكالمات كثيرة ، أعزي فيك الآخرون وليس ثمة من يعزيني بك . ينقطع اتصالي بعمي ،يتحدث فلا أسمعه ، وأتحدث فلا يسمعني .  كأرذل ما يكون الحظ . أعزي أبي ، وعماته ، وأعمامي ، وعماتي . أقطع جزءا من قلبي في كل مكالمة ، ويذبل قبل أن يصل إلى هناك .  أتحدث مع آخرين لا يعلمون عن حزني شيئا ، أعصر كل برتقالات الدنيا في داخلي . يقولون أن الضربة التي لا تميتك تجعلك قويا ،وقالوا (ضربتين في الراس توجع) لكنني لم أسمع شيئا عن الضربات الثلاث .. ولا الأربع ..

برتقالاتي تنشف رويدا رويدا ، لا أدري إذا كانت تعصر نفسها بنفسها ، أم أنني أنا من يعصرها . . لا يهم كثيرا ، المهم أنها تنشف ، لا اذكر انني احتجت لأن أكتب مثلما أحتاج الآن . . أحتاج لأن أقول .. غفر الله له .. له الجنه .. تغمده الله بواسع رحمته .. بعدد التعازي التي فاتتني ..  بعدد ما تمنيت أن اكون حاضرا في توديعه .. بعدد الحزن الذي ملأ هاتفي .. بعدد ماعصرت .. بعدد الأكتاف التي لا أملك منها شيئا ..

ربما عصرت أكثر مما ينبغي لي ، لكنني أحتاج لمثل هذا ، كي أخرج جافا،  خفيفا ً ، كي أدعو له بصوت مسموع .. كي أستطيع طيّ الصفحة مرتاحا ً ، و أواصل الكتابة  على دفتر الحياة . . .

 

 

بحفظ الله ياجدي ..

دموع الناس في بلدي ..

ينقّلها .. أسى خدٌ .. إلى خدَّ ..

ويرتحل .. عزاء الناس ِ

من كفّ .. إلى كفّ ِ ..

وأنا المكلوم .. في البعدِ ..

أراقب دمعتي ..

وحدي . .

ولا خدّ .. سوى خدي . .

ولا كف ستحضنها ..

سوى كفي . .

ولا كتف . .

أميل عليه في حزنٍ ..

 سوى كتفي . .

 

 أتاوا 

مايو 2008

 

 

أشيائي المبعثرة في المستشفى


تمر الأيام ، أعمل معجزة صغيرة في كل يوم .  أهبط حتى ألمس القاع بقدمي قبل أن أدفعه .  وأصعد حتى أتنفس كما أحب بعيدا عن الغرق ، ويحملني الماء حانيا  ، وكأنه لم يكن يخنقني بالأمس  بعيدا عن أعين الشمس .
ثقوب حزني في نافذة الوحدة  ، أحاول أن أحكم إغلاقها ، فلقد دخل ما يكفي من الحشرات . قبل أن يحمل كف كبريائي مبيدا ، وألتقطها واحدة واحدة ، وأضعها في منديل ، يجد طريقة إلى سلة مهملات ، مليئة في ذاكرتي .  أفتح نوافذ أخرى وجدت أنها أوسع مما كنت أتخيل، تمرر أشياءا استقبلها باسما ، وراضيا ، ممتلئا بالقناعة .
أنقل خطواتي في المستشفى صباحا ، وظهرا ، وعصرا ، وليلا ، وفجرا . أمسح بيدي العربيتين على أجساد كندية بيضاء . أخزن لغتي التي رضعتها مع الحليب لكل من يحمل ملامحا تشبه الوطن ، وأستعمل اللغة التي شربتها مع البيبسي ، وفطائر ماكدونالدز لكل الأشياء الأخرى .  أقهقه في الاجتماع الصباحي على (جيمي ) طالب الطب ، الذي يتحدث بلغة الشارع ، ويتفوه بأشياء لا يصح أن تقال في اجتماع محترم ، يقهقه الجميع ، يؤنبه الاستشاري على ارتياحه الزائد ، ولا يبدو أن جيمي يستوعب شيئا مما يقال .  ينوي أن يتخصص في الجراحة ، لن يهم كثيرا ما يقوله لمريض تحت التخدير .  نتفرق بعد الاجتماع ليهتم كل واحد بمرضاه . تمر أوقات لا أحصيها ، حتى أجد نفسي في كافيتيريا المستشفى أبحث عن أي شيء لآكله قبل أن يغلق في الساعة السابعة .  يعود الوقت ، ليركض ، لأجد نفسي مرة أخرى على سرير ، في غرفة ضعيفة الإضاءة ، بملاءة بيضاء ، ومرتبة بلاستيكية ، ومخدة بلاستيكية ، لا تصلح إلا لإراحة شخص لم يتوقف عن المشي ليوم كامل .  أضع رأسي على المخدة وأفكر ، متى سأتحصل على ما ابتعته بكل هذه المبالغ المرهقه؟ هل أدفع أكثر مما يجب ؟ ربما أقل مما يجب ؟العامل الذي كان يمسح أرضية المستشفى بعد أن خوت على عروشها يتعب أيضا! مالذي يصنع الفرق بين التعب الذهني والتعب الجسدي ؟ التعب الذهني أصعب ، لأنه يكوم الاشياء داخلك ، بينما التعب الجسدي يلقي بها إلى الخارج ! .. لحظة ! الآن من المفروض أن أرتاح ذهنيا وليس العكس ! . . أين من الممكن أن أجد قهوة في مثل هذه الساعة ؟(قهوة ايش !) يفترض بي أن أحاول أن أنام ..الآن النوم لا يحتاج لأية محاولات ، ربما النهوض منه يحتاج لبعضها . لن أنام ، بقي ثلاث ساعات على اجتماع الصباح ، لا لا .. يجب أن انام حتى أستطيع إكمال اليوم بشكل شبه معقول . . حسنا سوف أنام ...
يفض البيجر غشاء الصمت ، ترك لي لحظات أداعب النوم  ، تكفي لأعلم كم أحتاجه ، وكم أشتاقه ، أتركه على السرير البلاستيكي ، أغسل وجهي ، أرتب الشيب الجديد في شعري مع الشيب القديم  بعد أن لاحظت أنه يجلس بعيدا كطالب مدرسة في يومه الأول ، أرتدي معطفي المجعد ، أرتب أجهزة النداء ، والهاتف ، والكمبيوتر الكفي بين الفتحات والجيوب ، وأخرج إلى الممر .  أصنع بأقدامي صوت موسيقى كنت أسمعها صغيرا في مسلسل كرتونيّ ، ترت ترت .. ترت ترت ... ترات تريت ..ترات تريت .. ليس ثمة صوت يعكر تلك الموسيقى ، حتى أصل إلى الإسعاف ، ويتداخل الصوت مع أصوات الأنات ، وبعض الصراخ ، وثرثرة من يحاولون التعامل مع تلك الأنات ، وذلك الصراخ .
أبحث عن اسم المريض المنشود ، أجده مكتوبا على السبورة البيضاء ، أتوجه إلى الغرفة وأستلم الملف ، تاريخ الولادة ، يصلح لكتب التاريخ ، في التاريخ ذاته كان هناك شابا في العشرينات من عمره ، يدعى عبدالعزيز بن عبدالرحمن ، يحارب على صهوة جواده ليصنع لي شيئا أدعوه اليوم وطنا وأشتاق إليه  ، من كان يدري في لحظة الولادة ذاتها ، ماذا كان يفعل ذلك الشاب ، ربما كان يخطط لضم الحجاز إلى نجد ، ربما كان يمسح بطن امرأته الحامل بالملك فهد ، أو عبدالله . ربما يضع بشته على المشجاب ويستعد لإيصال حيامنه إلى حيث يمكن أن تصبح ملوكا . أقدّر أن مريضي كان مراهقا حينما أُعلنَ عن توحيد المملكة العربية السعودية وتسميتها في 1932 . هل سمع بذلك ؟ هل تخيل في أكثر خيالاته انفلاتا  أنه سيجلس على سرير ، في مستشفى ما في كندا ، ويأتي طبيب من هذا المكان ليعاينه ؟
 .  أذهب إلى السرير أتحدث مع الكائن التاريخي  ، أسحب الستارة خلفي ، وأسلم عليه ،ثم  أبدؤه بترجمتي الخائنة لـ (عسى ماشر؟ ) ، لا يسمعني ، يقول : لا أستطيع أن أسمعك ؟ عمري 94 عاما ، هل تعلم ذلك ؟ ..
يخرج صوتا يشبه الصراخ من فمي المبتسم :"بالطبع أعلم ذلك ،   آسف،  سأحاول أن أرفع صوتي ، وحاول أن تسمعني ."
وأفكر ... لا تبتئس يا صديقي العجوز . لست أول شخص لا يسمع شخصا يحاول أن يساعده .
أعود إلى الممر ، أجر أقدامي المنهكة ، أنتظر المصعد ، أغلق أجفاني واقفا ليمر تيار النوم لثانية ، قبل أن يدرك أنني واقف ويحدجني بنظرة قاسية ، حيث لا يفترض بأحد أن يغلق عينيه إلا حينما يكون جاهزا حيث يمكن للنوم أن يؤدي وظيفته كامله .  أسمع رنة المصعد ، أستقله ، وأذهب إلى غرفتي . أفرغ حمولة المعطف ، أرتب أجهزة النداء إلى حيث يمكن أن أراها في الظلام على طاولة السرير ، وبجانبها هاتفي الذي أستطيع استعماله كمصباح صغير . يؤلمني بطني ، أتذكر أمي ، وماكان يمكن أن تصنعه من ميرمية في مثل هذه اللحظة ، أحدق إلى السقف ، أشعر بالجوع ، وليس ثمة وجبات تخرج من قدور دافئة في الأفق ، أشعر بالبرد ، ولا يمكن لشيء أن يرمز لاحتياجي مثل تشبثي بالملاءة الرقيقة ، والسرير البلاستيكي تحتها ، دون أن يفعلا شيئا . أشعر بكل شيء . بكل شيء . يتسلل كل شيء من زجاجة الصمت الكبيرة إلى زجاجة  صمتٍ صغيرة أستطيع أن أنام داخلها . . . أقفل أجفاني ، ببطء . لأحتويني . وأنام . .
وقبل أن تعانق آخر شعرة في رمش عيني اليسرى الأعلى  ، آخر شعرة في رمش عيني اليسرى الأسفل .. يكسر جهاز النداء  زجاجة الصمت..
أترك النوم ، مع أشيائي المبعثرة ، البرد ، والميرمية ، وشظايا الزجاج على السرير . . أرتدي المعطف ، أرتب الأشياء في الجيوب . .
أقرب طالب المدرسة الجديد لأصدقاءه الجدد . .
أخرج ، وأستمع جيدا .  .
 ترت ترت .. ترت ترت ... ترات تريت ..ترات تريت ..
 
 
  أتاوا -إبريل -2008