‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثرثرة لا تهم أحدا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثرثرة لا تهم أحدا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أغسطس 2009

هندي لا يعرف طريق البطحاء ، وصديق آخر ، وسعال








رمـضان ، الذي يجعل مني رجلا آخر .
رجلٌ ، يلوك شوقه مع حبات التمر ، ويغمض عينيه إذ يشرب القهوة ، ويسرح ذهنه بعيدا ، بعيدا . أراقب الساعة ،أصنع من عيني أذنا ، وأتخيل الساعة حنجرة مؤذن. أقدم الشاي لنفسي بعد الإفطار وكأننا شخصين ، أحدهم يضع الصينية مبتسما ، والآخر يسند ظهره على الكنبة السوداء ممتنا . أمتليء بالحديث ، كان في رمضان العام الفائت يتكدس فوق حنجرتي ، ككرة صوف ،أختنق بها ، وقرر في رمضان هذه السنة أن لا يرهق نفسه بالنزول هناك بلا فائدة ، فتكدس في عقلي .
أود أن أتحدث عن مسلسلات رمضان ، ومقالات رمضان ، و الحر ، و الأشياء الصغيرة التافهة ، التي لا معنى لها . أود أن أتحدث عن الفرق بين أن تضع الهيل بعد أن تفور القهوة أم قبلها ، عن لذة خلط الماء باللبن ، أود أن أجلس في الصالة منتفخا وأقول : مالي لا أرى الهدهد ؟ : فترمقني أمي بنظرة نصف غاضبة ونصف ضاحكة ، تتمتم : استغفر الله ، استغفر الله بس ، "منتب صاحي !" .
الوحدة ، التي جعلت جبران خليل جبران ، يخرج منها مسميا نفسه "المصطفى " ، ويكتب كتابا يسميه النبي ، يخاطب الناس فيه من منابر الأنبياء .الوحدة التي جعلته يتخيل نفسه عظيما من بعد صغار ، وتجعلني أتخيل نفسي صغيرا من بعد عظمة . الوحدة التي تهرسني هرسا ، وتعجنني عجنا ، وتطحنني طحنا . أمشي وكأنني في علبة بجدار مصمت لا يراني أحد ، كهندي لا يعرف طريق البطحاء ، وحينما ذهب إليها حدثوه بأشياء لا تروقه ، يظنها أقل من ينزل إليها وربما كانت أعلى من أن يصعد .ما انفك يلوم نفسه على موقعه المحير ّ وتساؤلاته المتعبة ، ويجلد ذاته جلدا يليق باستحقاقه الذي يتخيله .
الوحدة التي ألومها على كل شيء ، منذ ثلاثة أيام كتبت الكلام أعلاه ، كنت أشعر بقواي وقد خارت ، ومزاجي وقد تعكر ، ورجلاي وقد ضعفت ، وبعدها بيوم ، انتفخ حلقي كضفدع بجلد لا يتمدد ، هدتني الحمى ، وتحدرت شلالات عقلي على منحدرات أنفي ، جاء البرد يغازلني وأدفعه ، كفاتنة ٍ مع رجل ٍ صالح ، أو كدميمة ٍ مع فاسق ، يلحقني في كل مكان ، وحينما أنثني على السرير ، أطلق تنهيدة لائمة ، وكأنه يستطيع أن يراني أتذمر برفق قد يُخجله . تذكرت ما كتبت قبل زمن ، عن المرض ، عن ما نفعل حينما نضعف ، عن احتياجنا الذي يتقشر عنه جلد قوتنا بأظافر المرض. ذلك الشعر الذي كتبته قبل سنواتٍ خمس ، ذات مغص .

أعاني .. وحيداً
كمثل الغريب !
كمثل الطيور .. إذا ما تموتُ .. بأرض القفص !
تلويّت وحدي ..
تفتّتُ إرباً ..
بسوط المغص !
وتلتفّ ساقي .. بساقٍ قريب
واسمع صوت احتكاك الملابس ِ ..
مثل النواح ..
كمثل النحيب .. !



***



هل من عليلٍ .. تفكّر يوماً !
لماذا .. يداعب ساقاً .. بساق !
لماذا يخربش .. وجه السرير ..
لماذا يبالغ في الالتصاق ؟
لماذا يقبّل خدّ الوسادة
لماذا يلامس ..حتى الجدار
لماذا العليل .. الوحيد .. يتوقُ ..
إلى الانكماش ..
إلى الانحناء ..
إلى الانكسار !
فيبدو كرأس محب حزينٍ
تمنى بصدر الحبيب .. القرار !



..
لماذا نحاور أجسادنا !

..
ونطفيءُ حتى .. ضياء السراج !

..




هو الاحتياج !



..
هو الاحتياجُ



هو الاحتياج !
..
والاحتياجُ .. أبو الاختلاق ..
لهذا نــُخلّـق .. من بعضنا ..
شيئاً .. نجرّب ..
معه .. العناق!


عانقت نفسي ، وخرجت من الشقة ، أبحث عن قهوة لأحشوها كإسفنجة في شلالات عقلي ، تخلّق داخلي صديق جديد ، يهذي طوال الطريق ، يمازحني ، ويسرد ملاحظات ممتعة ، أبتسم لها . صدقت أنه شخص آخر فقد كان صوته مختلفا ً ! كان يتحدث بصوت خفيض ممزوج بشيء يشبه النعاس ، كان لاذع السخرية من كل شي ، كان رائقا ، ودمه خفيف . ربما كانت الحمى تبخر شيئا من الدماء في قدور الأوردة المصمتة . كان يقول متأوها "إيييه يا حزم الظامي "هازئا بي ، ويغني أشياء سخيفة ، ويرمقني بنظرة عابثة ساخرة حينما أتوقف لألتقط أنفاسي "لايا شيخ ، أقول امش انت ووجهك ! " . بعد نوبة عطاس وسعال ، تأوهت دون قصد فسمعته يقول :"وش بلاك تونون كنك عجيّز بتولد " كان يتحدث وحيدا ، ولم يكن بي طاقة للرد ، بحثت عن صوتي الأول فلم أجده . كان يدغدغني لأضحك بطريقة هستيرية على العجوز الذي سقط في البركة حينما سجد في حلقة الأمس من "طاش ما طاش" . ضرب بالناس عرض الحائط ، وأعارني ساعديه .
عدت إلى شقتي ، تركته قليلا ،كان كطفل أضحك معه حينا ، وينغزني كل حين . فكرت في الذهاب إلى المستشفى ، الطواريء ستكون مزدحمة الآن ، ليس بي طاقة على الانتظار ، تذكرت نصيحة أمي بأن أرى "طبيبا" . ذهبت إلى مرآة الحمام و نظرت إلى نفسي! باغتني الصوت :"سلامات " ، ثم أردف قبل أن أجيب : " مافيك الا العافية ، رح نم " ، ابتسمنا سوية ، ابتسامتي متعبة ، وابتسامته حنونة ، مع قليل من السخرية ، وشيء من الثقة بي ، مشينا إلى السرير متلاصقين ، عانقته ، ونمت .

Ottawa ,
Aug. 29th, 2009

الثلاثاء، 31 مارس 2009

قطرة تتكور على نفسها




الأمس القاتم ، الملطخ بالوحدة ، وضعت آثارها في كيس أسود ، حملته سيارة الصباح شرقا ، وتوجهت غربا إلى المستشفى .
 
رجل الأمن العجوز ، يسألني عن يومي ، وقبل أن أجيبه يقول : أتعرف ، كل يوم هو يومٌ جميل ! جملة سطحية ، ربما تتزحلق على قشرة المخ وتسقط ، لكنه عرف – لسببٍ أجهله-  كيف يحشرها بين التعاريج ، فتعصر قليلا من السيروتونين والدوبامين  ، تحرك عضلات وجهي بابتسامة ، لا تختفي حتى تبدأ جملته المحشورة بالذوبان ، رويدا رويدا ، وتتحرر عضلات وجهي تدريجيا مع عودة ذلك الجزء من المخ كخد يلتصق بالزجاج يسحبه أحدهم بحركة بطيئة .
نعم ، كل يوم ، هو يومٌ جميل .
أذهب إلى دكان صغير في طريق عودتي ، أرى عجوزا آخر ، تصحبه ثمانون سنة عاشها ، تقف بجانبه ولا تحط على كتفيه ، يوقع أوراق اليانصيب ! أتمنى أن أعرف ماذا سيفعل بالملايين لو فاز بها ، أفكر ، كيف يستطيع أن يبتسم ويبدو مرحا ، إذا كان خلال ثمانين سنة كاملة، لم يحقق ما يريد ! التفسير الوحيد ، هو أن يكون قد حقق مايريد ، ولكنه يملك نفسا لا ينقطع ، ورقبة لا يستطيع بها الالتفات إلى الخلف ، وأقداما لا تعرف كيف تتوقف عن الجري ، حتى لو كان ذلك الجري ، لعبة احتمالات يراقبها من فوق كنبته في دار للعجزة .
أعود إلى الشقة ، أفكر في الآخرين !آه ..  الآخرون . الغرباء ، والأشقياء ، والتعساء ، والكاذبون ، والأوفياء ، الصادقون ، والأغبياء ، المحتالون ، والأذكياء ، المجانين ، والعقلاء ، الموسوسون ، والصامتون ، والحكماء .  الغريبون ، واللطفاء . الفرحون والتعساء ، الممتعون ، والمنفرون ، الرائعون ، والذين تشفق عليهم وتحزن من أجلهم ، والذين يجعلونك تشفق على نفسك . الحزانى بلا سبب ، والراضون رغم كل شيء .
خليط متشابك ، كمستنقع عظيم ، سميـــــــــك ، ولزج ، ومتموج .  تنظر إليه، كأنك قطرة تتكور على نفسها في حافته  ، تدرك جيدا أن به ماءا نقيا ، وذهبا مصهورا ، ونفطا قد يلوثك قليلا لكنه سينفعك في آخر المطاف ، ونفطا خاما سيسدد لك فاتورة تعبك مضاعفه لو نقيته واعتنيت به . وطينا لا ينفع في شيء . أرى نفسي قطرة ماء تتكور على نفسها على حافة الخليط العظيم  ، ويتصرف كموج تحركه رياح لا أراها ، من الممكن أن يبقى بعيدا دون أن نتلامس ،  يقترب ، ويغير رأيه قبل أن يصل فيعود أدراجه ، ومن الممكن أن يلمسني ، ومن الممكن أن يغمرني تماما ! يغمرني ، وأحاول الهرب ، كسلحفاة فاجأها موج بارد ، أرهق كل أطرافي في محاولاتٍ لدفع الكرة التي أتمدد داخلها ، وأبذل من الجهد ما يجعلني أعتقد أنني وصلت إلى مستنقعٍ آخر –إن كان هناك مستنقع آخر – لأكتشف أنني لم أتحرك سوى قيد أنمله ، أتمدد داخلها من جديد ، وأدفع سطحها الداخلي المليء  بطبعات كفوفي وأقدامي المشدودة ، فقط لأبقى في مكاني .
  لا أعلم مالذي يحركه نحوي في الزاوية التي أتموضع بها ، ربما كانت قطعة ذهب منسية ، قوية بما يكفي لتحرك الأشياء في اتجاهي ، تبحث عن ماء يزيل عنها السواد فتلمع من جديد ،أو طين يريد أن يتخفف من ترابه . أو قطرة ماء ، كانت تقف مثلي على الحافة يوما ، وتريد أن تعود لتتحد بقطرة تظنها نقية . وربما أقدار ريح ، تتصادف مع أقدار موضعي ، والجزء الذي يليني من ذلك الخليط .   أفكر في أن أبدأ رحلة ملحمية أفقية على الأطراف ، لأبحث عن قطرات أخرى ،لكنني  لا أستطيع أن أرى جيدا من خلال الماء ، في محيط نظري (المائي ) لا أرى أي قطرة تقف ، والتحرك البطـيء الأفقي سيستهلكني ، كمغامرة لا أعلم شيئا عن نتائجها .
حتى إنني لا أعلم شيئا عن فيزياء الزمان والمكان والمادة هنا ! زمانياً ربما كان هذا هو  الوقت الذي استهلكته كل عناصر الخليط الذي أرى في تقرير أين تقع ، وربما كان الوقت الذي سأقضيه لأدور دورة بسيطة على الأطراف أقل من الوقت الذي أقضيه متكورا .  ومن الناحية المكانية ، ربما المكان أصغر بكثير مما أعتقد ، وربما كانت هناك تجمعات مائية أخرى ، لكنني لا أعرف كيف ألتفت داخل قطرة بأطراف مشدودة ، وموضعي على الزاوية وتحديقي بها ،  يشبه نملة تحدق في فتحة ترابية في غابةٍ نيجيرية ، بالنسبة إلى الكوكب . أما من ناحية فيزياء المادة ،  ربما كنت أصلا داخل الخليط –وهذا احتمال وارد جدا – لكنني أملك خصائص فيزيائية تفصلني عن البقية ، كما يملك البقية خصائص تفصلهم عني ، والسواد الذي يتسرطن على سطح كرتي بألوان قزحية وأهرب منه ما هو إلا طريقة للتمازج والتحول البطيء والنمو .
أمي ،ببساطة ،  تقول أنها تعرف كيف تقتنص المناطق الأنقى من الخليط ، تقول أنها ستغرف لي منه ، وتسكبه عليّ . تردد دائما أن الحياة بلا قطرات نقية .
لا ريب أن ثمة قانونٍ كوني ، يجعل قطرة حبر أسود تصبغ كأسا من الماء النقي . وكيسا من القمامة تطغى رائحته على حقل من الأزهار ولو كان في آخر أطرافه .  ربما كل ما يلزمني أن أغلق أنفي قليلا ، وألتقط الأزهار وأرحل بها إلى مكان ٍ آخر ، ولكنني أفكر أكثر من اللازم !
ربما يلزمني أن أغسل السواد مباشرة ، وأتحرك في اتجاه آخر بدلا من أن أسترضيه وأطلب منه أن يبعد لزوجته والتصاقه عني إذا سمح ، وأخبره كم هو العالم مليء بسوادٍ آخر سيفرح به . أن أتوقف عن الشفقة عليه دون أن أعرفه ، والتفكير في وجهة نظره من الأشياء .وإمكانية وجاهة فكرة التخفف بالماء .
ربما فقط يلزمني ، أن آخذ نفسا عميقا ، وأتوقف عن الخوف من السواد الذي يعلق ، وغرابة الريح ، ووقاحة الطين ، وأذهب للخوض في الخليط كفلاحٍ يلبس حذاءا جلديا بعنق طويلة
،يهرس الأشياء في طريقه ،  يلتقط ثماره ، ويرحل ، وينسى كل شيء بعد أن يغتسل ، ويقضم الثمار  الطازجة على ظهر كنبة بيضاء !
 
 
Ottawa , Feb 2009

شيطان حزني الصغير




شيطان حزني الصغير . ذلك المارق الفاسق . قصته أطول من أرويها . ما انفك يمارس دهاءه الذي مكنته منه ،  حتى تجبر وطغى ، ككل قصص الحب ذات النهايات الفاجعة  ، والأفواه التي تعض أيادي المحسنين .، والسواعد التي تشتد لترمي معلميها ، واللئام الذين يزيدهم الإكرام لؤما .
كنت صبيا سعيدا ، أقضم فطيرتي في ساحة المدرسة ، مع جمع من الأصدقاء ، نضحك أكثر مما نأكل . ونركض أكثر مما نشبع . لا أذكر متى بالتحديد ، نبت شارب في حديقة وجهي الجديدة ، وأسدلت مسارح الوجوه المألوفة ستائرها السوداء . وابتدأت أشعر بأن أصدقائي يصغرون ، قبل أن أدرك بأنني أكبر أكثر مما يجب .
في مربع عائلتي الصغيرة ، أمي كانت هناك ،تركع علي  لتصنع مني رجلاً ، وكان أخي بجانبي يسحبني معه إلى الأعلى ، وتنحى أبي حتى لا يحدني شيء من أن أنمو رأسيا .
كانت الحياة أسهل مما ينبغي ، في مدرستي الصغيرة . المدرسون كلهم يغرقون علي عبارات الثناء والمدح طوال الوقت . الأسئلة التي لا يجيبها أحد تتوجه إلى كهدية ٍ مغلفة بابتسامة الإعجاب والنصر . مسائل الرياضيات التي يتحدانا المدرس في حلها بأقل من خمسة دقائق ، أحلها في دقيقة ، وأهييء كتفي لكل ما يمكن لغرور طالبٍ أن يحتمل . مواضيع التعبير التي أكتبها ، يدعوني المدرس منتشيا  لقراءتها أمام الفصل في كل حصة .  أطرز التقارير الشهرية بنسب ٍ كاملة . كاملة جداً . لا ينقصها درجة واحدة .الترتيب على الفصل ، الأول . الترتيب على الفصول الأخرى في المرحلة : الأول ، يصافحني المدير كل شهر ، ويمنحني شهادة تقدير ، يتغير الثاني والثالث ، وابقى حيث أنا .   في الطابور الصباحي ، يبحث عني المدرس مسؤول الإذاعة إذا تأخر برنامج ذلك اليوم ، وأعتلي المنصة ، أقرأ قرآنا ، وتصمت المدرسة . في وقت الفسحة ، أقود فريق فصلي لكرة القدم ، أسجل أهدافا ، وتصفق المدرسة . دفاتري تتخاطفها أيدي الطلاب ، والمدرسين الذين يريدون استخدامها في التحضير للسنين القادمة .   إذا أخطأ طالب في الفصل يبدأ المدرس في محاضرة عن الأخلاق والأدب  ، ويوضح أن الأخلاق أهم من الدراسة ، والأدب أهم من العلم ، وأن اجتماعهما غايةٌ صعبة ، لكنها يمكن أن تتحقق . ويستخدمني دليلا . لم أحتج ، ولا مرة واحدة أن أذهب لأبدأ حديثا مع أحد ، كان الناس يأتون إلي ، خرجت من المدرسة وأنا لا أعرف كيف أبدأ حديثا مع شخص لا يعرفني .
أقنعوني بأنني الأول في الدراسة ، والأحفظ للشعر ، والأجود في التعبير ، والأقرأ في القرآن ، والأذكى في الرياضيات ، والأجمل في الخط ، والأمهر في الكرة ، والأكمل في الأدب .
   كان كل شيء ، كل شيء يتآمر ليجعلني الأفضل في المدرسة ، وكانت المدرسة ، هي العالم .
خرجت إلى هذا العالم ، بعقلية النسب الكاملة والأفضلية المطلقة ، كان الكامل عند الآخرين ناقصا لدي ، والرائع جيد ، والجيد مقبول ، والمقبول سيئا ، والسيء جحيماً .  وفي الجانب الآخر من هذه المعادلة الغير عادلة ، وجدت أنني لم أكن الأول ولا الأحفظ ، ولا الأجود ، ولا الأقرأ ، ولا الأذكى ، ولا الأجمل ولا الأمهر ولا الأكمل . فخرجت بنوعين من الحزن ، حزن ٌ مرفه ، يفترض بالعالم نقصا ، لا يرونه  فأزيد رفاهية . وحزن موجع يفترض النقص في ذاتي ، لا يرونه فأنقص حزنا .
وابتدأت الخيبات تنهشني في تآمرٌ عجيب . ابتداءا بالخيبات السخيفة ، من نوع أن لا تنظر إلى عينيّ المراهقتين فتاة أنظر إليها، أو أن لا أحقق الثناء بالقدر الذي أتوقعه  ، مرورا بخيبات أكبر كأن يتضايق مني أحد . لا أ دري كيف أصبح تضايق شخص مني حدثا عظيما ، لم أتعلم يوما كيف يمكن لي أن أضايق أحدا ً ، في عالمٍ يتضايق فيه الناس من أنفسهم . ولم أدرك حتى اليوم كيف يمكن لأحدٍ أن يضايقني ، ويعلم ذلك ، ويستل كل ما يملك من أسلحة ، ولا يتوقف حتى أرحل بعيدا ، إلى حيث لا يمكن للأسلحة أن تصل .  تعلمت أن الناس مختلفون ، مختلفون بصورة مفجعة ، وأنه لا يمكن لك أن تتعامل مع الجميع بطريقة واحدة . تعلمت أن هناك مرضى وأصحاء ، وأن الحدود الفاصلة بينهما ليست بالوضوح الذي نتوقعه .
وجاءت خيبات أكبر ، تتعلق بالعالم ، وخيبات أكبر من أي شيء  تتعلق بالناس .  وجاء شيطان حزني الصغير ، يحمل ورقة وقلما ، وقهوة يدعوني لأن نرتشفها سويا .  كان كريما معي . وشعرت أنه لا خيبة معه ، إذ أنه هو بذاته خيبة أختارها لتقيني من الخيبات التي تلبس لباس الفرح . وشعرت بأنه ربما آخر الأصدقاء الذين يأتون هم ليتحدثون معي .  وكان شيطانا لطيفا ، خليق بأن يجنبني محاولة بداية حديث مع أحد .
وابتدأ شيطاني الصغير يتشكل كما يحلو له ، ولي . يعصر نفسه في فنجان قهوة أشربها وحيدا ، وأبتسم . يتمدد طوليا ليدخل في قلم، فأسكبه شعرا ، يجلس مقابلي على كنبة وثيرة ، يفلسف العالم ، ويعتذر بين كل جملتين مره ، لأنه يدرك أن الناس لا يرحبون به كثيراا ، فأهون عليه ، وأستمع ، وتنفرج أساريره ويتحدث ، يتشكل على هيئة امرأة جميلة  ، أقضي معها ليلة طويلة ، لنتحدث ، كانت صحبة جميلة ، راقية ، صحبة اختيارية  مرفهة. لكنه  بعدأن ابتدأ بإزالة الكلفة بيننا ، أصبح يحط على كتفي كقرد ، فينظر الناس إلىّ مستغربين . ابتدأ بزيارتي بدون أن أدعوه ، والدخول دون أن يستأذن .  انتبهت مرة إلى كفيه فوجدته يسد أذني حتى لا أسمع هاتفي ، بل رأيته مره يحمل مقصا و  يهم بقص أسلاك الهاتف . كنت أصبر منه على ذلك ، فأنا لا أستطيع أن أضايق أحدا ساعدني  حتى و لو كان شيطانا !
حتى جاء ذلك اليوم ، قضيت معه وقتا أكثر مما ينبغي لنا  ،اقتربت منه أكثر مما يجب ، وفجأة ، استبد به الهياج ، فانقض على رقبتي ليخنقني . فتحت عيني على آخرها ، دفعته مذعورا ، لقد أسأت فهمي أيها الشيطان الفاسق ، أنا لا أريدك هكذا  .  تناولت عفريتة السعادة من شنطة سيارتي ، وهويت بها على رأسه ، لم أتركه حتى تفتت على الرصيف ، خرج من فتاته حبر أقلام ، ولحية بيضاء  لحكيمٍ عجوز ، ونظارة سوداء كان يلبسنيها لأرى العالم ، ونظارة كحلية تجعلني أرى كم الابتسامات الصافية التي أتلقاها كل يوم ، معتمة ، ونظارة مصمتة ، بثقب ٍ وحيد تستثني كل الناس الطيبين ،وأرى من خلالها بضع من السفلة، ونظارة بعدسة مكبرة ، ومرآة  لا ترى سوى العيوب  ، ومساحيق تجميل كثيرة كان يضعها ، ونسخة طبق الأصل لقلبي ، مكسورة بأكثر من زاوية ، وورقة صفراء قديمة   بأرقام معاونيه  من البشر ، وأنصاف البشر ، وكيس بصل !
قاتلك الله يا شيخ  !
...
 
 
اليوم ، أستقبل الصباح الهاديء الماطر ، عائدا من  مناوبتي الطويلة .
 متصالح جدا مع ذاتي ، لست الأفضل كما كانوا يقولون لي ، لكنني أفضل مما كنت أتوقع ، مازلت أحصل على الثناء ، ثناء بالقدر الذي يجوز أن يحصل عليه طبيب سعودي يعمل في كندا ، أتذوق حلاوة أحاديث عربية باسمة في ممرات المستشفى لها طعم التمر ، أستطيع اليوم أن أضايق أحدا بالقدر المحترم  إن هو ضايقني ، أستقبل ترحيبا ، يضيق بعبارات الشكر الخجلى من زوج مريضة تابعتها ، في ممرات وول مارت .
 أسباب تجبّر شيطاني ، أعلمها جيدا ، ولا يعلمها أحد ، ولا يحسها أحد ، كنت أعلم جيدا أنني قد أبدو مبالغا ، لكنني الوحيد في هذا العالم ، الذي يعرف أنني لم أبالغ في شيء  ، أنا فقط قررت أن أصبح أكبر من حزني ، وانا وحدي أعلم كم من الحجم أحتاج لمثل هذا .
فراغات الأصدقاء ، مازال بعض منها شاغرا ، لكنني لم أعد أحتاج إلى شياطين لملئها  ،العتبات مازالت عالية ، لكنني أفتح نوافذ أقل ارتفاعا ، تجعلني أنحني ولا أركع . وأقترب ولا أمس ، والأهم ، أبتسم .  
انتبهت إلى أنني مازلت أحصل  على ابتسامات الإعجاب ، لكن ليس بالقدر الذي يحصل عليه طالب مدرسة ، ولا بالقدر الذي يحصل عليه رئيس وزراء موزمبيق في بلده . ربما بالقدر الذي يحصل عليه رئيس وزراء موزمبيق في كندا ، وربما أكثر قليلا  .
صديقي البليغ ، يختصر كل ثرثتي الطويلة ، ويسمي نفسه : رئيس وزراء موزمبيق : ) وبما أنه أذكى مني ،وبما أنه لم يعد من إجازته الطويلة في الرياض بعد،  سأسمي نفسي نائب رئيس وزراء موزمبيق ، أو حتى رئيس وزراء موزمبيق ، وأعمل انقلابا لا يحفل به أحد هنا ..
التوقيع :
متعب جاد الحق ،
نائب رئيس وزراء موزمبيق .
أتاوا، 31 مايو، 2008

أشيائي المبعثرة في المستشفى


تمر الأيام ، أعمل معجزة صغيرة في كل يوم .  أهبط حتى ألمس القاع بقدمي قبل أن أدفعه .  وأصعد حتى أتنفس كما أحب بعيدا عن الغرق ، ويحملني الماء حانيا  ، وكأنه لم يكن يخنقني بالأمس  بعيدا عن أعين الشمس .
ثقوب حزني في نافذة الوحدة  ، أحاول أن أحكم إغلاقها ، فلقد دخل ما يكفي من الحشرات . قبل أن يحمل كف كبريائي مبيدا ، وألتقطها واحدة واحدة ، وأضعها في منديل ، يجد طريقة إلى سلة مهملات ، مليئة في ذاكرتي .  أفتح نوافذ أخرى وجدت أنها أوسع مما كنت أتخيل، تمرر أشياءا استقبلها باسما ، وراضيا ، ممتلئا بالقناعة .
أنقل خطواتي في المستشفى صباحا ، وظهرا ، وعصرا ، وليلا ، وفجرا . أمسح بيدي العربيتين على أجساد كندية بيضاء . أخزن لغتي التي رضعتها مع الحليب لكل من يحمل ملامحا تشبه الوطن ، وأستعمل اللغة التي شربتها مع البيبسي ، وفطائر ماكدونالدز لكل الأشياء الأخرى .  أقهقه في الاجتماع الصباحي على (جيمي ) طالب الطب ، الذي يتحدث بلغة الشارع ، ويتفوه بأشياء لا يصح أن تقال في اجتماع محترم ، يقهقه الجميع ، يؤنبه الاستشاري على ارتياحه الزائد ، ولا يبدو أن جيمي يستوعب شيئا مما يقال .  ينوي أن يتخصص في الجراحة ، لن يهم كثيرا ما يقوله لمريض تحت التخدير .  نتفرق بعد الاجتماع ليهتم كل واحد بمرضاه . تمر أوقات لا أحصيها ، حتى أجد نفسي في كافيتيريا المستشفى أبحث عن أي شيء لآكله قبل أن يغلق في الساعة السابعة .  يعود الوقت ، ليركض ، لأجد نفسي مرة أخرى على سرير ، في غرفة ضعيفة الإضاءة ، بملاءة بيضاء ، ومرتبة بلاستيكية ، ومخدة بلاستيكية ، لا تصلح إلا لإراحة شخص لم يتوقف عن المشي ليوم كامل .  أضع رأسي على المخدة وأفكر ، متى سأتحصل على ما ابتعته بكل هذه المبالغ المرهقه؟ هل أدفع أكثر مما يجب ؟ ربما أقل مما يجب ؟العامل الذي كان يمسح أرضية المستشفى بعد أن خوت على عروشها يتعب أيضا! مالذي يصنع الفرق بين التعب الذهني والتعب الجسدي ؟ التعب الذهني أصعب ، لأنه يكوم الاشياء داخلك ، بينما التعب الجسدي يلقي بها إلى الخارج ! .. لحظة ! الآن من المفروض أن أرتاح ذهنيا وليس العكس ! . . أين من الممكن أن أجد قهوة في مثل هذه الساعة ؟(قهوة ايش !) يفترض بي أن أحاول أن أنام ..الآن النوم لا يحتاج لأية محاولات ، ربما النهوض منه يحتاج لبعضها . لن أنام ، بقي ثلاث ساعات على اجتماع الصباح ، لا لا .. يجب أن انام حتى أستطيع إكمال اليوم بشكل شبه معقول . . حسنا سوف أنام ...
يفض البيجر غشاء الصمت ، ترك لي لحظات أداعب النوم  ، تكفي لأعلم كم أحتاجه ، وكم أشتاقه ، أتركه على السرير البلاستيكي ، أغسل وجهي ، أرتب الشيب الجديد في شعري مع الشيب القديم  بعد أن لاحظت أنه يجلس بعيدا كطالب مدرسة في يومه الأول ، أرتدي معطفي المجعد ، أرتب أجهزة النداء ، والهاتف ، والكمبيوتر الكفي بين الفتحات والجيوب ، وأخرج إلى الممر .  أصنع بأقدامي صوت موسيقى كنت أسمعها صغيرا في مسلسل كرتونيّ ، ترت ترت .. ترت ترت ... ترات تريت ..ترات تريت .. ليس ثمة صوت يعكر تلك الموسيقى ، حتى أصل إلى الإسعاف ، ويتداخل الصوت مع أصوات الأنات ، وبعض الصراخ ، وثرثرة من يحاولون التعامل مع تلك الأنات ، وذلك الصراخ .
أبحث عن اسم المريض المنشود ، أجده مكتوبا على السبورة البيضاء ، أتوجه إلى الغرفة وأستلم الملف ، تاريخ الولادة ، يصلح لكتب التاريخ ، في التاريخ ذاته كان هناك شابا في العشرينات من عمره ، يدعى عبدالعزيز بن عبدالرحمن ، يحارب على صهوة جواده ليصنع لي شيئا أدعوه اليوم وطنا وأشتاق إليه  ، من كان يدري في لحظة الولادة ذاتها ، ماذا كان يفعل ذلك الشاب ، ربما كان يخطط لضم الحجاز إلى نجد ، ربما كان يمسح بطن امرأته الحامل بالملك فهد ، أو عبدالله . ربما يضع بشته على المشجاب ويستعد لإيصال حيامنه إلى حيث يمكن أن تصبح ملوكا . أقدّر أن مريضي كان مراهقا حينما أُعلنَ عن توحيد المملكة العربية السعودية وتسميتها في 1932 . هل سمع بذلك ؟ هل تخيل في أكثر خيالاته انفلاتا  أنه سيجلس على سرير ، في مستشفى ما في كندا ، ويأتي طبيب من هذا المكان ليعاينه ؟
 .  أذهب إلى السرير أتحدث مع الكائن التاريخي  ، أسحب الستارة خلفي ، وأسلم عليه ،ثم  أبدؤه بترجمتي الخائنة لـ (عسى ماشر؟ ) ، لا يسمعني ، يقول : لا أستطيع أن أسمعك ؟ عمري 94 عاما ، هل تعلم ذلك ؟ ..
يخرج صوتا يشبه الصراخ من فمي المبتسم :"بالطبع أعلم ذلك ،   آسف،  سأحاول أن أرفع صوتي ، وحاول أن تسمعني ."
وأفكر ... لا تبتئس يا صديقي العجوز . لست أول شخص لا يسمع شخصا يحاول أن يساعده .
أعود إلى الممر ، أجر أقدامي المنهكة ، أنتظر المصعد ، أغلق أجفاني واقفا ليمر تيار النوم لثانية ، قبل أن يدرك أنني واقف ويحدجني بنظرة قاسية ، حيث لا يفترض بأحد أن يغلق عينيه إلا حينما يكون جاهزا حيث يمكن للنوم أن يؤدي وظيفته كامله .  أسمع رنة المصعد ، أستقله ، وأذهب إلى غرفتي . أفرغ حمولة المعطف ، أرتب أجهزة النداء إلى حيث يمكن أن أراها في الظلام على طاولة السرير ، وبجانبها هاتفي الذي أستطيع استعماله كمصباح صغير . يؤلمني بطني ، أتذكر أمي ، وماكان يمكن أن تصنعه من ميرمية في مثل هذه اللحظة ، أحدق إلى السقف ، أشعر بالجوع ، وليس ثمة وجبات تخرج من قدور دافئة في الأفق ، أشعر بالبرد ، ولا يمكن لشيء أن يرمز لاحتياجي مثل تشبثي بالملاءة الرقيقة ، والسرير البلاستيكي تحتها ، دون أن يفعلا شيئا . أشعر بكل شيء . بكل شيء . يتسلل كل شيء من زجاجة الصمت الكبيرة إلى زجاجة  صمتٍ صغيرة أستطيع أن أنام داخلها . . . أقفل أجفاني ، ببطء . لأحتويني . وأنام . .
وقبل أن تعانق آخر شعرة في رمش عيني اليسرى الأعلى  ، آخر شعرة في رمش عيني اليسرى الأسفل .. يكسر جهاز النداء  زجاجة الصمت..
أترك النوم ، مع أشيائي المبعثرة ، البرد ، والميرمية ، وشظايا الزجاج على السرير . . أرتدي المعطف ، أرتب الأشياء في الجيوب . .
أقرب طالب المدرسة الجديد لأصدقاءه الجدد . .
أخرج ، وأستمع جيدا .  .
 ترت ترت .. ترت ترت ... ترات تريت ..ترات تريت ..
 
 
  أتاوا -إبريل -2008 

سلسلة الأحداث الصغيرة التي تعقب انسكاب الببسي على السجادة ..


 

كنت في طريق العودة إلى شقتي ، كان بائع عقلي المتجول يعرض بضاعته ، وأستمع إليه وأنا أقود دون أن يلاحظ أنني أعبأ بما يقول . يقدم بضاعته في أوانٍ ذهبية ، وفضية ، ونحاسية ، وبلاستيكية ، وحديدية ، وخشبية ، وقماشية ، شفافة أحيانا ، ومعتمة أحيانا أخرى ، وقد تكون مموهة تبدي خيالا لأصل مختلف . يضع بداخلها  كل مايخطر على بال زبائنه ، زبائنه  من أقلام ، وأصابع ، وألسن ، وحتى من الباعة المتجولين الأخر ، اللذين سيأخذون بضاعته ، ليجدوا لها قلما ، أو أصابعا ، أو لسانا ، أو بائعا آخر يتكفل بها حتى حين .  البضاعة أيضا كانت جلية الاختلاف والتباين ، نثريات تراثية تحمل عبق ماضٍ جميل ، وبضائع  يعلوها غبار ماضٍ لن يعود ، كتبٌ تصلح للقراءة ، وأخرى لا تصلح للقراءة ، قماشٌ داكن اللون له قدرة معتبرة على الستر أستطيع أن ألبسه ، وقماشٌ ناعم يفضح كل ماخلفه ، إلا أنه لا يشبه القماش المهتريء ، كثير الفتحات، الذي يعرضه أيضا  ، إلا في القدرة على الفضح  .  كان يعرض أيضا ، عودا له نغمات ، لا يستوعب جمالها إلا من يتعمقون في تحليلها ، وعودا يستطيع أن يجعل أغلب المارة في الشارع يصفقون ، وعودا لا يعزفه الا أنا ، ولا يفهمه إلا انا ، ولا يريد أن يسمعه أحد ، إلا أنا . كان يعرض معطرات للجو ، وروائح طبيعية ، منعشة أحيانا ، ومنفرة أحيانا ، وبلا رائحة أحيانا أخرى . كان يعرض الشعر ، وكان يعرض النثر ، وكان يعرض كلمات قليلة ، جدا ، بخط جميل ، يلتف فيتحدث ، تروي كل قطرة من قطرات حبره حكاية طويلة . لا يبدو أن أحدا يملك من الوقت ما يكفي لسماعها .

 كان يعرض لوحات سيريالية شديدة الغموض ، ولوحات ذكية تحمل فكرة واضحة لمتذوقٍ  نابه ، ولوحات أقل ذكاءا لكنها مرسومة بإتقان ، ولوحات واقعية ، تحمل الكثير من التفاصيل الحقيقية والثابتة ، والمعقدة ، ولوحات واقعية بسيطة ، ولوحات تعرض الواقع ذاته من زوايا مختلفة ، ولوحات صامته ، حتى أن ذلك البائع عرض جدارا أبيضا صامتا ، بمكان للوحة ، لكنه فارغ ، يجعلك فقط تتخيل ماذا كان يمكن أن يكون هناك من اللوحات .

كان البائع أيضا ، يعرض فصولا لمسرحيات واقعية ، وضاحكة ، و درامية ، و مقاطع مليئة بالحب ، وأخرى مليئة بالحزن ، وأخرى مليئة .. بلا شيء  .. كان يعرض ، فيما يعرض أيضا ، أصنافا من الطعام ، بعضها آنيّ اللذة ، يشعرك بالنشوة ، ليجعلك تنتظر توابعه الغير حميدة ، وبعضها مرّ الطعم ، تأكله ، لتستطيع مواصلة الانتظار ، لشيء قد لا يأتي ، وبعضها تسمتع به ، ويعكر رائحة فمك ، ويصرف عنك الآخرين . وبعضها لا يسمن ولا يغني من جوع . تدلك به أسنانك فيزيد فرص اقتراب أحدهم منك . .

كان البائع اللامرئي أيضا ، يعرض أحلاما ، وخططا ، ومشاريعا ، تستطيع شرائها ليوافيك بها بعد زمــن .

كان اختلاف البضاعة ، واختلاف أوانيها ، وأسعار الشراء الممكنة ، والفوائد المحتملة على المدى القريب والمتوسط والبعيد ، وعلى الأصعدة الذاتية والاجتماعية ، والواقعية وغير الواقعية ، يضع احتمالات لا نهائية ، لا نهائية تماما ، لما يمكن أن أختاره .

لم أكن قد قررت أن أشتري شيئا داخل السيارة ، لم أفكر في دعوة البائع المتجول إلى شقتي ، لأنني أعلم أنه سيصحبني إلى هناك . أخذت حقيبتي ، وعشاءا آني اللذة ، ساندويتش ، وبطاطس ، وبيبسي ، إلى الشقة . فتحت الباب ، شعرت أنني أصطحب جيشا من البضائع والباعة إلى شقتي ، أغلقت الباب بكوعي ليختل توازن يدي الممتلئة التي تحمل مايزيد على استيعابها ، فسقط البيبسي على السجادة ، وانسكبت كل محتوياته على السجادة البيضاء . صرخت بـ لااااااااا ... وجدت طريقها إلى سكون المكان بين أسناني المصطكة على بعضها ، شعرت بجيوش البضائع والباعة ، تركب أجنحة ، وترحل من المكان ، كسرب من الحمام المذعور في لحظة واحدة . وضعت الشنطة ، وجلست على ركبتيّ ، ووضعت كفّي على حدود البقعة التي تمددت على خارطة السجادة ، في مشهد يصلح لأن يكون ختاما  لفيلم يسمونه "عندما تتبخر الأحلام"  .فكرت في البائع الذي رمقني بنظرة ساخره قبل أن يغادر . " آسف لا أستطيع أن أبيعك شيئا الآن " ربما قالها . ربما تخيلت أنه قالها . أحضرت قبائلا من المناديل الورقية ، لنمسح القارة الجديدة من على وجه الخريطة ، دامت الحرب خمس عشرة دقيقة . فكرت خلالها ، في مجلس أمن العمارة الذي ربما يلاحظ ذلك ويطالبني بتغيير العالم/ السجادة . والعشاء ، الذي لم يعد آني اللذة ، والثلاجة التي لا بيبسي بها . وأسرع خطة لإحضار علبة بيبسي قبل أن يبرد العشاء أكثر ، وما إذا كان يمكنني أن أشرب شيئا آخر. تذكرت قصة ، وصورة كانت في كتاب أطفال أحضرته لي أمي قبل سنين طويلة جدا  ، صورة كارتونية لرجل يلبس ثوبا ، وجرة عسل مكسورة ، ومراقة على الأرض ، والرجل يضع كفيه على رأسه مولولا، ، والقصة تتلخص في أن الرجل رأى في الجرة حلا لكل مشاكله وبنى عليها قصرا من الأحلام ، حتى انكسرت وضاع كل شيء ، و جلس على ركبتيه ينظر إليها بالضبط كما أفعل الآن! قبل عشرين سنة كنت متعاطفا معه أما الآن ، أتذكر أنه لم يكن بحاجة لأن ينظف الأرض ! تلك الشخصية الكاريكتورية المرفهة !

عدت لأفكر في البضائع التي ترفعت عنها  . وكنت أفكر في انشغالي ، عن اللوحات ، والخط ، والشعر ، والنثر ، والأحلام ، بتنظيف السجادة . . كنت أجنّد مناديلا أكثر ، فأكثر ، أشعر بامتنان لها لأنها تعمل من أجلي ، وفي لحظة غريبة ، تذكرت أنها تشرب البيبسي الذي كنت أنوي أن أشربه !

وفي لحظة غريبة أخرى ، تذكرت أبيات شعر ، اشتريتها من بائع متجول آخر ، اشتراها من ديوان شعر لشاعر ،اسمه طارق أبو عبيد :

"أتصدقين ،

فتشت أمس عن لساعة

عن صورتك،ووجدتها مرمية تحت السرير

وفوقها آثار بيبسي

فتشت فيها عن ملامح حبنا المنسي .."

لماذا يترك البيبسي في شقتي كل الملامح المنسية-لأدعي أنني كنت أتذكرها قبل ان تملؤها اللزوجة المقرفة-  ، وتلك التي تستطيع أن تكون منسية بجدارة ، ليسقط على السجادة ...

انتهت الحرب ، بقت آثار دمار بسيطة ، أتمنى أن لا يلاحظها مجلس أمن العمارة ، تيمنا بمجلس الأمن العالمي ! ، ارتديت معطفي على عجل ، ونزلت إلى الشارع البارد ، أبحث عن أقرب بقالة ، ركضت إلى هناك ، وأخذت علبة بيبسي ، واحدة ، وعدت أدراجي .

أحضرت حقيبة العشاء البارد غير آني اللذة ، وغير حميد العواقب ، وضعت فيلما ، وبدأت آكل ، وأشاهده .

حينما أتيت إلى هنا ، لأكتب ، لمحت بائعا متجولا آخر يحمل عصا تصلح لإسقاط أعتى علب البيبسي  ، يبتسم ، داخل عقلي ، سمعته يتحدث إلى بائع آخر ، كيف أنه استطاع أن يجعل من أصابعي ، زبونا ً ، بالإكراه

 

 

أتاوا - 29مارس.2008