مات جدي . رحل صامتا بعد أن قتله الملل على سريره . غادر الدنيا هناك في الرياض ، وأرسل إلى كندا حزنا لا يعبأ به أحد سواي . خبر ٌ نقله لي هاتفي الصغير الذي حشرت وطني وتاريخي في داخله ، سمعته في الرابعة عصرا وأنا أقلب أحزانا لأناس لا أعرفهم على هيئة أوراق في ملفات المستشفى . صمتَ لثانيتين . قبل أن أدعو له بالرحمة ، وأقفل الخط . أذهب إلى الحمام ، لأغسل الحزن عن وجهي. ولم أفعل شيئا سوى أنني نثرت من الملح بعض ما رسّب الحزن . أعود إلى الملفات ، بقي لي مريضين لم أرهم ، أحاول أن أقرأ في ملفاتهم ، وكل كلمة تذهب إلى عقلي ، ليفسرها ، أو يفكر فيما يبني عليها ، أو حتى يراها ، تزدحم مع الصور ، والمشاعر ، والتخيلات هناك . رأيت وجه جدي ، بسرير ، وبلا سرير ، ابتسم ، وصلى واقفا ، وصلى جالسا ، رأيته بكفن ، لم أره . تزاحم كل شيء ليعصر الماء من فوهة عيني ، التي أصبحت كفوهة برتقالة مقطوعة الرأس ، تعصرها يد عابثة .تعصرها بما يكفي ليظهر الماء ولا يسيل ، وتفلتها ، وتعود لتعصرها مرة أخرى . أكملت مابقي لي ، بعينين تلمعان . مشيت ببطء . استمعت بإنصات لذلك المريض الذي لم يعجبه أكل المستشفى ، بعد أن أحضرت له ماءا لأنه لا يستطيع أن يتحدث بارتياح بفم ٍ ناشف . المريضة الأخرى ، صامتة ، حتى الموت .قالولي في الصباح أنها ستموت . مسحت على رأسها ، دون أن أعلم ، أو أحاول أن أحلل لماذا فعلت ذلك، وخرجت . ذهبت لأكتب عن أحزان لا أعرفها في الملفات . وانتهيت حينما جاءت الطبيبة السريلانكية المناوبة التي أراها لأول يوم وسألتني لماذا لا زلت هنا ؟ لا أدري لماذا قررت أن أخبرها أنني تأخرت في الخروج ، لأنني تلقيت خبرا محزنا ، بدأ صوتي يرتعش ، تشاغلت بجمع أوراقي ، وخرجت قبل أن أنهار على أول كتفٍ لا أعرفه . خرجت محدقا إلى بلاطات الطريق . يالهذه المدينة التي ليس بها كتف واحد ألجأ إليه . ذهبت إلى سيارتي ، صنعت من مقودها كتفا ً . وابتدأت أفكاري تثرثر . وتتزاحم حد الخروج من النوافذ المشرعة ، والنوافذ المغلقة . وفوهات البرتقال . بيتنا القديم وذاكرتي الضبابية لمجلس يتوسطه جدي كالجبل . فرحتي عندما أصبحت طويلا بما يكفي لأقبل رأسه . الأعياد التي لم يمر منها عيدٌ واحد دون أن أسلم عليه . ابتدأتها وأنا أتلعثم في عبارات العيد المناسبة ، وكان يسألني عن النقود التي معي والخمسة التي تطل برأسها من جيب ثوبي . والمسدس الذي أخبئه في يدي الأخرى . قبل أن أصبح يسألني لماذا لم أتزوج بعد ، ويقول لي (العيد الاخر وانت عريس ) . دلة القهوة التي علمني كيف أمسكها في مجلس الرجال ، وكم هو المقدار المناسب لصب الفنجال . . تجويدي الذي يتحدث عنه أمام ضيوفه فيشعرني بالزهو . قرآنه الكبير على مجلسه الخشبي ، الذي قربه لي كثيرا لأقرأ منه . كان يحرجني طلبه لهذا أمام الجميع . ولكنني كنت فخورا بتقديره لي ورغبته في سماع قراءتي . المرة الأجمل كانت حينما بتنا جميعا في مزرعته البعيدة . ونهضنا من النوم لصلاة الفجر ، كان الجو بديعا ، أحضر لي قرآنه ، وطلب مني أن أقرأ . وقرأت طويلا ً ولم أتوقف حتى بح صوتي ، وأغلقت القرآن لأسمع عبارات الثناء راضيا مزهوا . أقعده المرض . قبل أن يؤثر الصمت . وذهبت لأراه في آخر زيارة إلى الرياض . شعرت بأنها ستكون المرة الأخيرة . حدقت في وجهه الصامت ، ودعوت الله له . حملت ملامحه في وجهي . ورحلت . أجري مكالمات كثيرة ، أعزي فيك الآخرون وليس ثمة من يعزيني بك . ينقطع اتصالي بعمي ،يتحدث فلا أسمعه ، وأتحدث فلا يسمعني . كأرذل ما يكون الحظ . أعزي أبي ، وعماته ، وأعمامي ، وعماتي . أقطع جزءا من قلبي في كل مكالمة ، ويذبل قبل أن يصل إلى هناك . أتحدث مع آخرين لا يعلمون عن حزني شيئا ، أعصر كل برتقالات الدنيا في داخلي . يقولون أن الضربة التي لا تميتك تجعلك قويا ،وقالوا (ضربتين في الراس توجع) لكنني لم أسمع شيئا عن الضربات الثلاث .. ولا الأربع .. برتقالاتي تنشف رويدا رويدا ، لا أدري إذا كانت تعصر نفسها بنفسها ، أم أنني أنا من يعصرها . . لا يهم كثيرا ، المهم أنها تنشف ، لا اذكر انني احتجت لأن أكتب مثلما أحتاج الآن . . أحتاج لأن أقول .. غفر الله له .. له الجنه .. تغمده الله بواسع رحمته .. بعدد التعازي التي فاتتني .. بعدد ما تمنيت أن اكون حاضرا في توديعه .. بعدد الحزن الذي ملأ هاتفي .. بعدد ماعصرت .. بعدد الأكتاف التي لا أملك منها شيئا .. ربما عصرت أكثر مما ينبغي لي ، لكنني أحتاج لمثل هذا ، كي أخرج جافا، خفيفا ً ، كي أدعو له بصوت مسموع .. كي أستطيع طيّ الصفحة مرتاحا ً ، و أواصل الكتابة على دفتر الحياة . . . بحفظ الله ياجدي .. دموع الناس في بلدي .. ينقّلها .. أسى خدٌ .. إلى خدَّ .. ويرتحل .. عزاء الناس ِ من كفّ .. إلى كفّ ِ .. وأنا المكلوم .. في البعدِ .. أراقب دمعتي .. وحدي . . ولا خدّ .. سوى خدي . . ولا كف ستحضنها .. سوى كفي . . ولا كتف . . أميل عليه في حزنٍ .. سوى كتفي . . أتاوا مايو 2008
الثلاثاء، 31 مارس 2009
رحمك الله يا جدي
أشيائي المبعثرة في المستشفى
على باب الجنة
رحماك يارب
يبدو الكلام مهلهلا . مهلهلاً جداً . فضفاضا . يدور في دوائر لا تفضي إلى شي ء . واسعا ً . متراكماً . كملابس تفيض عن حاجة الجسد ، بعضها فوق بعض . لا نحتاج منها إلا إلى غلالة رقيقة ، تضيع في زحمة القماش والخيوط .
أراقب المشهد من بعيد . لكنه مؤلمٍ بما يكفي لأتوجع رغم المسافة . هبط الخبر ، كسطلٍ من الماء البارد ، كغيمة سوداء ثقيلة ، تهبط بكل ثقلها في لحظة سريعة ، تشهق أمعاءك ، فيؤلمك بطنك ، يفغر دماغك فاه ، فتشعر بالدوار .
فجأة تفقد قدرتك على التذوق ، وتتنفس هواءا تشعر بأنه لا يذهب إلى رئتيك ،وتضيع في ومضات من سرحان ٍ تخرج منه إلى سرحانٍ آخر .
هديل ، صمتت . في الخامسة والعشرين . صمتت وكأنها بترت جملة لم تكتمل . سكنت فجأة بركبة مثنية تمارس الركض اليومي . تجمدت ملامح وجهها على حاجبين مرتفعين ، وثغر يتحدث .
صمتت هديل .
وبدت الحروف ، ترفا زائدا ، وجهادا في غير خصم . .
كانت تنتظر على مقعد مدونتها . "على باب الجنة ".
والآن تنتظر على سرير غيبوبتها . على باب الجنة .
لا يعلم إلا الله في أي الاتجاهين تتحرك .
أشعر بتأنيب ضمير ٍ لا أعلم له سبباً . إذا شعرت بالحزن سيبدو حزنا ناقصا ، مرفها لا يشبه حزن أهلها وصديقاتها المقربين في شيء ، وإذا شعرت بأي شعور جيد ، يبدو ذلك أقرب شيء للخسة وفقد الإحساس . أود أن أتحدث مع أصدقاءنا المشتركين . ولا يبدو أن هناك شيئا يمكن أن يقال .
كلمات أبيها تفطر القلب . يقف الرجل صامدا . وتشعر أن كل ما بداخله، يتمزق.
هديل الحضيف صمتت .
ولا أدري لماذا أحس أن على الجميع أن يصمت
سلسلة الأحداث الصغيرة التي تعقب انسكاب الببسي على السجادة ..
كنت في طريق العودة إلى شقتي ، كان بائع عقلي المتجول يعرض بضاعته ، وأستمع إليه وأنا أقود دون أن يلاحظ أنني أعبأ بما يقول . يقدم بضاعته في أوانٍ ذهبية ، وفضية ، ونحاسية ، وبلاستيكية ، وحديدية ، وخشبية ، وقماشية ، شفافة أحيانا ، ومعتمة أحيانا أخرى ، وقد تكون مموهة تبدي خيالا لأصل مختلف . يضع بداخلها كل مايخطر على بال زبائنه ، زبائنه من أقلام ، وأصابع ، وألسن ، وحتى من الباعة المتجولين الأخر ، اللذين سيأخذون بضاعته ، ليجدوا لها قلما ، أو أصابعا ، أو لسانا ، أو بائعا آخر يتكفل بها حتى حين . البضاعة أيضا كانت جلية الاختلاف والتباين ، نثريات تراثية تحمل عبق ماضٍ جميل ، وبضائع يعلوها غبار ماضٍ لن يعود ، كتبٌ تصلح للقراءة ، وأخرى لا تصلح للقراءة ، قماشٌ داكن اللون له قدرة معتبرة على الستر أستطيع أن ألبسه ، وقماشٌ ناعم يفضح كل ماخلفه ، إلا أنه لا يشبه القماش المهتريء ، كثير الفتحات، الذي يعرضه أيضا ، إلا في القدرة على الفضح . كان يعرض أيضا ، عودا له نغمات ، لا يستوعب جمالها إلا من يتعمقون في تحليلها ، وعودا يستطيع أن يجعل أغلب المارة في الشارع يصفقون ، وعودا لا يعزفه الا أنا ، ولا يفهمه إلا انا ، ولا يريد أن يسمعه أحد ، إلا أنا . كان يعرض معطرات للجو ، وروائح طبيعية ، منعشة أحيانا ، ومنفرة أحيانا ، وبلا رائحة أحيانا أخرى . كان يعرض الشعر ، وكان يعرض النثر ، وكان يعرض كلمات قليلة ، جدا ، بخط جميل ، يلتف فيتحدث ، تروي كل قطرة من قطرات حبره حكاية طويلة . لا يبدو أن أحدا يملك من الوقت ما يكفي لسماعها .
كان يعرض لوحات سيريالية شديدة الغموض ، ولوحات ذكية تحمل فكرة واضحة لمتذوقٍ نابه ، ولوحات أقل ذكاءا لكنها مرسومة بإتقان ، ولوحات واقعية ، تحمل الكثير من التفاصيل الحقيقية والثابتة ، والمعقدة ، ولوحات واقعية بسيطة ، ولوحات تعرض الواقع ذاته من زوايا مختلفة ، ولوحات صامته ، حتى أن ذلك البائع عرض جدارا أبيضا صامتا ، بمكان للوحة ، لكنه فارغ ، يجعلك فقط تتخيل ماذا كان يمكن أن يكون هناك من اللوحات .
كان البائع أيضا ، يعرض فصولا لمسرحيات واقعية ، وضاحكة ، و درامية ، و مقاطع مليئة بالحب ، وأخرى مليئة بالحزن ، وأخرى مليئة .. بلا شيء .. كان يعرض ، فيما يعرض أيضا ، أصنافا من الطعام ، بعضها آنيّ اللذة ، يشعرك بالنشوة ، ليجعلك تنتظر توابعه الغير حميدة ، وبعضها مرّ الطعم ، تأكله ، لتستطيع مواصلة الانتظار ، لشيء قد لا يأتي ، وبعضها تسمتع به ، ويعكر رائحة فمك ، ويصرف عنك الآخرين . وبعضها لا يسمن ولا يغني من جوع . تدلك به أسنانك فيزيد فرص اقتراب أحدهم منك . .
كان البائع اللامرئي أيضا ، يعرض أحلاما ، وخططا ، ومشاريعا ، تستطيع شرائها ليوافيك بها بعد زمــن .
كان اختلاف البضاعة ، واختلاف أوانيها ، وأسعار الشراء الممكنة ، والفوائد المحتملة على المدى القريب والمتوسط والبعيد ، وعلى الأصعدة الذاتية والاجتماعية ، والواقعية وغير الواقعية ، يضع احتمالات لا نهائية ، لا نهائية تماما ، لما يمكن أن أختاره .
لم أكن قد قررت أن أشتري شيئا داخل السيارة ، لم أفكر في دعوة البائع المتجول إلى شقتي ، لأنني أعلم أنه سيصحبني إلى هناك . أخذت حقيبتي ، وعشاءا آني اللذة ، ساندويتش ، وبطاطس ، وبيبسي ، إلى الشقة . فتحت الباب ، شعرت أنني أصطحب جيشا من البضائع والباعة إلى شقتي ، أغلقت الباب بكوعي ليختل توازن يدي الممتلئة التي تحمل مايزيد على استيعابها ، فسقط البيبسي على السجادة ، وانسكبت كل محتوياته على السجادة البيضاء . صرخت بـ لااااااااا ... وجدت طريقها إلى سكون المكان بين أسناني المصطكة على بعضها ، شعرت بجيوش البضائع والباعة ، تركب أجنحة ، وترحل من المكان ، كسرب من الحمام المذعور في لحظة واحدة . وضعت الشنطة ، وجلست على ركبتيّ ، ووضعت كفّي على حدود البقعة التي تمددت على خارطة السجادة ، في مشهد يصلح لأن يكون ختاما لفيلم يسمونه "عندما تتبخر الأحلام" .فكرت في البائع الذي رمقني بنظرة ساخره قبل أن يغادر . " آسف لا أستطيع أن أبيعك شيئا الآن " ربما قالها . ربما تخيلت أنه قالها . أحضرت قبائلا من المناديل الورقية ، لنمسح القارة الجديدة من على وجه الخريطة ، دامت الحرب خمس عشرة دقيقة . فكرت خلالها ، في مجلس أمن العمارة الذي ربما يلاحظ ذلك ويطالبني بتغيير العالم/ السجادة . والعشاء ، الذي لم يعد آني اللذة ، والثلاجة التي لا بيبسي بها . وأسرع خطة لإحضار علبة بيبسي قبل أن يبرد العشاء أكثر ، وما إذا كان يمكنني أن أشرب شيئا آخر. تذكرت قصة ، وصورة كانت في كتاب أطفال أحضرته لي أمي قبل سنين طويلة جدا ، صورة كارتونية لرجل يلبس ثوبا ، وجرة عسل مكسورة ، ومراقة على الأرض ، والرجل يضع كفيه على رأسه مولولا، ، والقصة تتلخص في أن الرجل رأى في الجرة حلا لكل مشاكله وبنى عليها قصرا من الأحلام ، حتى انكسرت وضاع كل شيء ، و جلس على ركبتيه ينظر إليها بالضبط كما أفعل الآن! قبل عشرين سنة كنت متعاطفا معه أما الآن ، أتذكر أنه لم يكن بحاجة لأن ينظف الأرض ! تلك الشخصية الكاريكتورية المرفهة !
عدت لأفكر في البضائع التي ترفعت عنها . وكنت أفكر في انشغالي ، عن اللوحات ، والخط ، والشعر ، والنثر ، والأحلام ، بتنظيف السجادة . . كنت أجنّد مناديلا أكثر ، فأكثر ، أشعر بامتنان لها لأنها تعمل من أجلي ، وفي لحظة غريبة ، تذكرت أنها تشرب البيبسي الذي كنت أنوي أن أشربه !
وفي لحظة غريبة أخرى ، تذكرت أبيات شعر ، اشتريتها من بائع متجول آخر ، اشتراها من ديوان شعر لشاعر ،اسمه طارق أبو عبيد :
"أتصدقين ،
فتشت أمس عن لساعة
عن صورتك،ووجدتها مرمية تحت السرير
وفوقها آثار بيبسي
فتشت فيها عن ملامح حبنا المنسي .."
لماذا يترك البيبسي في شقتي كل الملامح المنسية-لأدعي أنني كنت أتذكرها قبل ان تملؤها اللزوجة المقرفة- ، وتلك التي تستطيع أن تكون منسية بجدارة ، ليسقط على السجادة ...
انتهت الحرب ، بقت آثار دمار بسيطة ، أتمنى أن لا يلاحظها مجلس أمن العمارة ، تيمنا بمجلس الأمن العالمي ! ، ارتديت معطفي على عجل ، ونزلت إلى الشارع البارد ، أبحث عن أقرب بقالة ، ركضت إلى هناك ، وأخذت علبة بيبسي ، واحدة ، وعدت أدراجي .
أحضرت حقيبة العشاء البارد غير آني اللذة ، وغير حميد العواقب ، وضعت فيلما ، وبدأت آكل ، وأشاهده .
حينما أتيت إلى هنا ، لأكتب ، لمحت بائعا متجولا آخر يحمل عصا تصلح لإسقاط أعتى علب البيبسي ، يبتسم ، داخل عقلي ، سمعته يتحدث إلى بائع آخر ، كيف أنه استطاع أن يجعل من أصابعي ، زبونا ً ، بالإكراه
أتاوا - 29مارس.2008
ليلة صيفية
عدت من المستشفى متأخرا اليوم . الخطط التي كانت تمارس الإبحار في عقلي في طريق عودتي ، تهدمت على شاطيء كنبة سوداء شعرت بأنها تشبه خشبة على جزيرة نائية . نهضت من النوم ، في جزيرة شقتي الخاوية ، بعد أن طارت عصافير النهار ، أفكر فيما يمكن أن أفعله . حتى لا أتأخر على دوام الغد .
خرجت لرغبة ملحة تريد أن تدعي أن قد كان هناك يوما ، عدت في آخره لأرتب سيارتي بين خطوط المرآب الصفراء ، وأصعد إلى سريري وأنام .
ليلة صيفية ، في منتصف الأسبوع ، حيث تهدأ الشوارع الصاخبة ، إلا من صخب من لا يحتاجون إلى النهوض مبكرا في الغد . شنطتي الجلدية كانت تصحبني في السيارة ، تضم كتابا ، وقلما ، ودفترا ، وهذا الذي أكتب عليه .
شنطتي تقابلني على الكرسي المقابل ، صامتة , تتركني أفكر ، وأقرأ ، وأكتب . لا يحرجنا صمتنا ، لا أنتظر منها حديثا ، ولا تنتظر مني أن أكسر حاجز الصمت بشيء .
عقلي ممتليء ، ممتليء عن آخره . أتمنى أن أنفضه ، (أو أن تهب ريح ) حتى يذهب الزيد جفاءا ويمكث ما ينفع الناس في الأرض . أفتح في كل يوم نافذة جديدة ، على فكرٍ جديد ، وكتاب ٍ جديد ، واهتمام ٍ جديد . تعذبني الحيرة . لا أجد شيئا يصف حالتي بدقة أكثر . الحيرة . أنا الذي أحتار في كل شيء . في سعي إلى الكمال لا يعرف الكلل ! هل كانت هذه عبارة دعائية لتويوتا ! كم أود لو ألتقي السيدة تويوتا لأسألها كي استطاعت أن تعيش بمثل هذا . توقفت عن سماع هذه العبارة منذ زمن ! .. ربما لم تستطع أن تعيش بمثل هذا .
قررت قبل زمن ليس بالطويل ، أن لا أقبل المساومة في مايخص عملي ، أذهب كل يوم في الصباح ، أهتم بالمرضى ، لا أقصر في شيء هناك ، أقرأ ما ينبغي لي أن أقرأه . أزرع ذلك الجانب كصخرة أكثر من نصفها في الأرض ، أترك الأشياء من حولها مبعثرة حتى أجد ما يستحق تثبيته من الصخور .
الصخور الأخرى كثيرة ، لا تنتهي . منها ما يثبت نفسه ، بنفسه . وأحاول أن أنزعه ، ومنها ما أحاول تثبيته ، وينخلع مع كل نسمة ريح.
أحب أحيانا أن أفكر في هذه الصخور كلوحة ، جمالها في عدم تناغمها ، كلوحة تشكيلية مبهمة ، مبعثرة ، لكنها جميلة .
لم أحاول الكتابة منذ زمن ، كان وقتي ضيقا جيدا ،أو هكذا كنت أحس ، يتوزع بين العمل ، والمناوبة ، والنوم ، والأصدقاء . في هذه الفترة ، حينما أجد فسحة للتفكير ، في السيارة ، أو على السرير حينما اصطف في طابورللحصول على خبز النوم مع أناسٍ لا أراهم ، كنت أتخيل الكتابة ، وبالتحديد الكتابة الذاتية التي أمارسها ، ترفا يليق بفتاة مراهقة ، أو بشاب منعم . أحس بأن القسم الذي أعمل به الآن يعيد تربيتي من جديد. يخبرني كم هي الحياة قاسية ، وكيف يموت الناس، وكيف يصير عملك دفعا لهم في اتجاه الحياة أو الموت . كيف أجد من الوقت
ما يكفي لأكتب عن نومي الذي لا يأتي ، وعن قمصاني المهترئة ، وعن سلسلة الأحداث الصغيرة التي تعقب انسكاب البيبسي على السجادة ..
مايو 2008
أتاوا