السبت، 29 أغسطس 2009

هندي لا يعرف طريق البطحاء ، وصديق آخر ، وسعال








رمـضان ، الذي يجعل مني رجلا آخر .
رجلٌ ، يلوك شوقه مع حبات التمر ، ويغمض عينيه إذ يشرب القهوة ، ويسرح ذهنه بعيدا ، بعيدا . أراقب الساعة ،أصنع من عيني أذنا ، وأتخيل الساعة حنجرة مؤذن. أقدم الشاي لنفسي بعد الإفطار وكأننا شخصين ، أحدهم يضع الصينية مبتسما ، والآخر يسند ظهره على الكنبة السوداء ممتنا . أمتليء بالحديث ، كان في رمضان العام الفائت يتكدس فوق حنجرتي ، ككرة صوف ،أختنق بها ، وقرر في رمضان هذه السنة أن لا يرهق نفسه بالنزول هناك بلا فائدة ، فتكدس في عقلي .
أود أن أتحدث عن مسلسلات رمضان ، ومقالات رمضان ، و الحر ، و الأشياء الصغيرة التافهة ، التي لا معنى لها . أود أن أتحدث عن الفرق بين أن تضع الهيل بعد أن تفور القهوة أم قبلها ، عن لذة خلط الماء باللبن ، أود أن أجلس في الصالة منتفخا وأقول : مالي لا أرى الهدهد ؟ : فترمقني أمي بنظرة نصف غاضبة ونصف ضاحكة ، تتمتم : استغفر الله ، استغفر الله بس ، "منتب صاحي !" .
الوحدة ، التي جعلت جبران خليل جبران ، يخرج منها مسميا نفسه "المصطفى " ، ويكتب كتابا يسميه النبي ، يخاطب الناس فيه من منابر الأنبياء .الوحدة التي جعلته يتخيل نفسه عظيما من بعد صغار ، وتجعلني أتخيل نفسي صغيرا من بعد عظمة . الوحدة التي تهرسني هرسا ، وتعجنني عجنا ، وتطحنني طحنا . أمشي وكأنني في علبة بجدار مصمت لا يراني أحد ، كهندي لا يعرف طريق البطحاء ، وحينما ذهب إليها حدثوه بأشياء لا تروقه ، يظنها أقل من ينزل إليها وربما كانت أعلى من أن يصعد .ما انفك يلوم نفسه على موقعه المحير ّ وتساؤلاته المتعبة ، ويجلد ذاته جلدا يليق باستحقاقه الذي يتخيله .
الوحدة التي ألومها على كل شيء ، منذ ثلاثة أيام كتبت الكلام أعلاه ، كنت أشعر بقواي وقد خارت ، ومزاجي وقد تعكر ، ورجلاي وقد ضعفت ، وبعدها بيوم ، انتفخ حلقي كضفدع بجلد لا يتمدد ، هدتني الحمى ، وتحدرت شلالات عقلي على منحدرات أنفي ، جاء البرد يغازلني وأدفعه ، كفاتنة ٍ مع رجل ٍ صالح ، أو كدميمة ٍ مع فاسق ، يلحقني في كل مكان ، وحينما أنثني على السرير ، أطلق تنهيدة لائمة ، وكأنه يستطيع أن يراني أتذمر برفق قد يُخجله . تذكرت ما كتبت قبل زمن ، عن المرض ، عن ما نفعل حينما نضعف ، عن احتياجنا الذي يتقشر عنه جلد قوتنا بأظافر المرض. ذلك الشعر الذي كتبته قبل سنواتٍ خمس ، ذات مغص .

أعاني .. وحيداً
كمثل الغريب !
كمثل الطيور .. إذا ما تموتُ .. بأرض القفص !
تلويّت وحدي ..
تفتّتُ إرباً ..
بسوط المغص !
وتلتفّ ساقي .. بساقٍ قريب
واسمع صوت احتكاك الملابس ِ ..
مثل النواح ..
كمثل النحيب .. !



***



هل من عليلٍ .. تفكّر يوماً !
لماذا .. يداعب ساقاً .. بساق !
لماذا يخربش .. وجه السرير ..
لماذا يبالغ في الالتصاق ؟
لماذا يقبّل خدّ الوسادة
لماذا يلامس ..حتى الجدار
لماذا العليل .. الوحيد .. يتوقُ ..
إلى الانكماش ..
إلى الانحناء ..
إلى الانكسار !
فيبدو كرأس محب حزينٍ
تمنى بصدر الحبيب .. القرار !



..
لماذا نحاور أجسادنا !

..
ونطفيءُ حتى .. ضياء السراج !

..




هو الاحتياج !



..
هو الاحتياجُ



هو الاحتياج !
..
والاحتياجُ .. أبو الاختلاق ..
لهذا نــُخلّـق .. من بعضنا ..
شيئاً .. نجرّب ..
معه .. العناق!


عانقت نفسي ، وخرجت من الشقة ، أبحث عن قهوة لأحشوها كإسفنجة في شلالات عقلي ، تخلّق داخلي صديق جديد ، يهذي طوال الطريق ، يمازحني ، ويسرد ملاحظات ممتعة ، أبتسم لها . صدقت أنه شخص آخر فقد كان صوته مختلفا ً ! كان يتحدث بصوت خفيض ممزوج بشيء يشبه النعاس ، كان لاذع السخرية من كل شي ، كان رائقا ، ودمه خفيف . ربما كانت الحمى تبخر شيئا من الدماء في قدور الأوردة المصمتة . كان يقول متأوها "إيييه يا حزم الظامي "هازئا بي ، ويغني أشياء سخيفة ، ويرمقني بنظرة عابثة ساخرة حينما أتوقف لألتقط أنفاسي "لايا شيخ ، أقول امش انت ووجهك ! " . بعد نوبة عطاس وسعال ، تأوهت دون قصد فسمعته يقول :"وش بلاك تونون كنك عجيّز بتولد " كان يتحدث وحيدا ، ولم يكن بي طاقة للرد ، بحثت عن صوتي الأول فلم أجده . كان يدغدغني لأضحك بطريقة هستيرية على العجوز الذي سقط في البركة حينما سجد في حلقة الأمس من "طاش ما طاش" . ضرب بالناس عرض الحائط ، وأعارني ساعديه .
عدت إلى شقتي ، تركته قليلا ،كان كطفل أضحك معه حينا ، وينغزني كل حين . فكرت في الذهاب إلى المستشفى ، الطواريء ستكون مزدحمة الآن ، ليس بي طاقة على الانتظار ، تذكرت نصيحة أمي بأن أرى "طبيبا" . ذهبت إلى مرآة الحمام و نظرت إلى نفسي! باغتني الصوت :"سلامات " ، ثم أردف قبل أن أجيب : " مافيك الا العافية ، رح نم " ، ابتسمنا سوية ، ابتسامتي متعبة ، وابتسامته حنونة ، مع قليل من السخرية ، وشيء من الثقة بي ، مشينا إلى السرير متلاصقين ، عانقته ، ونمت .

Ottawa ,
Aug. 29th, 2009

السبت، 11 يوليو 2009

عبدالعزيـز




عبدالعزيز ، قادمٌ صغير آخر ، تخلّق بعيدا ، وولد بعيدا ، وأرسلوا صورته إلي ّ .
حجرة صغيرة أبنيها من أجله في عقلي ، على الحساب ، يملؤونها عنه بالنيابة عبر الهاتف ، كصندوق ذهب ، توضع فيه أوراق مكتوبة : (عقد ثمين ) ، (سلسال ) ، (قطعة ذهب تستعصي على الوصف ) .
لا أملك سوى أن أرتب الأوراق في الحجرة ، وأتخيل .
هاتف يربط بين عالمين ، رجل في سيارته ، في ساعة الغداء ، السماء تمطر ، الأشجار خضراء ، والناس تحمل مظلات المطر ، وهناك على الطرف الآخر من العالم، مجلس نساء ،سرير ، و طفل جديد ، وقهوة ، ودعوات تختلط بأزيز المكيف ، ورائحة القرفة ترقص على الأنوف .
كيفك اليوم ؟كيف عزوز ؟
الحمدلله.. تمام
عندكم ناس ؟
ايه
هاااه بشري كيف النقوط !؟
اقول ؟
نعم ؟
نقطنا بسكوتك !
أختي التي تمنت عليّ أن (أنقطها بسكوتي ) وتمنيت لو أن لدي شيء آخر أنقطها به ، تعرف أنني لا أملك سوى سكوتي .
أما لطفلين أصبحت ، ستصبحين (قاضي بهالبيت) عما قريب. تطلبين من الأخ احترام أخته ، ومن الأخت العطف على أخيها . ستضعين في حقائب المدرسة فطيرتين . وتزيدين كوبا من الرز ، وتدخلين علينا بكائنين يشبهانك يوم الأربعاء .
أم عبدالعزيز ، أصبحتِ إذن ، خلف ظهري . أحضرت إلي حنان أخا دون استشارتها ، أصبحت أما لطفلين أيتها الصغيرة ، هكذا ، بلا مقدمات . فجـأة ، كذلك الرجل الذي تعلم كلمة فجأة، نكتتك السخيفة المفضلة ، الرجل الذي أراد أن يستخدم كلمته الجديدة فسأل البائع (عندك بيبسي ، فجأة ميرندا ؟ ) . أما أنتِ فأنجبتِ حنان ، فجأة ، عبدالعزيز .
أما أنا ، فرغبت ، فجأة ، في أن أعود ، أن أراك ِ ، وأراه ، أن أحضر ، و(أنقطك بسكوتي )، وأتأمله صامتا .


أتاوا - يونيو -2009



الثلاثاء، 26 مايو 2009

رماد..ي ...





يحصل لي مع النثر ، ذلك الشيء عينه الذي حصل لي مع الشعر.   أنكب على أوراقي ، وجهازي كي أكتب ، لا أفكر بمن يقرأ ، أشكل  الرماد المحترق على هيئة رسوم ، تبهرني ، ولا أظن بأنها تبهر أحدا آخر ، أنا وحدي أعرف من أين أتت تلك النقطة الرمادية الصغيرة ، أنا وحدي أتذكر متى ابتدأ السواد الضئيل  بالحضور .أتذكر جيدا ، الأحمر المتوهج ، لم أكن لأصدق أحدا يقول لي أنه سينطفيء . أتذكر أنه  حينما انطفأ ، ثبت معه تفاصيل احتراقه ، بدت كتمثال لا يمكن أن يتغير ، تمثال صخري ، لم ألبث أن أدركت أنه قابل للبعثرة بلمسة صغيرة ،أو بنفخة هادئة  . كغبار . غبار لا يتلاشى ، غبار يتبعثر فقط ، يختفي بين الأشياء ، حتى تهب رياح الذكرى ، فينتفض انتفاضة ميت يفيق  .
  عندي وليس عند أحد آخر ، أتخيل كيف يمكن للزمن أن يتــــباطأ حد التوقف وأنا أراقب ما تصنع نفختي ، الرماد المتاقفز ، ذرة ذرة ، والقوس الذي تكون ، القوس الذي يدل علي من بعــــــــــيد . القوس الذي أعرف كيف يشبهني ،القوس  الذي كان أبسط ما فيه شكله .
شكله هذا ،هو بالتحديد ، ما جعل همهمات الآخرين تصل إلي ّ ، رفعت رأسي ، ابتسمت ، تفرست في وجوههم البالغة اللطف. شعرت في داخلي أن ذلك الشكل البسيط هوالجزء الأسهل  في التشكيلات  التي صنعتها ، وتطلعت إلى السماء .
من هنا ، ابتدأت العقبات تتناسل .  النظرات الفاحصة للرماد بدأت توترني ، خشيت أن أبدو كمعتوهٍ يتعرى بلا سبب، ويحترق بلا سبب  . فكرت في أن أستعمل رمادا آخر ، رماد الآخرون ، ورماد وطني ، ورمادٌ  أتخيله .  فكرت في أن أفتش عن أقواس ٍ أخرى ،  أقرأ عن أقواس ٍ أخرى . كانت السماء مليئة بالأقواس ، وتلك البعيدة تبدو أكثر سحرا ، فتشت حولي فلم أجد سلما ً ، وتذكرت أني نسيت الرماد الذي يتكوم في قلبي منذ زمن  .
 حينما عدت إليه ، وجدته كثيفا ، أكثر من أن أنفخ فيه دون أن يصيبني بالاختناق . وأكثف من أن يفسح مجالا لخلفية تشاركه صنع شيء يستحق أن تنظر إليه الوجوه البالغة اللطف .
سأنثره هنا كلوحة ركيكة ، أقبل بأن أعلق مثلها ، لأنها علمتني شيئا . علمتني أنني لا أستطيع أن أنفخ جيدا إلا حينما أحترق جيدا . علمتني أن الرماد الذي يبيت في قلبي دهرا ، يختلط بدماء تتخثر ، تجعلني ثقيلا ، وتجعل نفختي تنثر الرماد على الرماد بلا خلفية لسطح أبيض ، بلا تباين يدركه  الآخرون ، وإن أدركته أنا .   
أنا الذي يثير  الرماد ذاكرتي  كخشبة ، وأفكر بالخريف كشجرة  .لا يهم كثيرا ما أدركه أنا . جمجمتي نافذة بزجاج أحادي الجهة ، أرى كل شيء ،     ولا أ ُرى . الرفوف المليئة ، القصص  القديمة ، الأفكار المبعثرة على ورقاتٍ صغيرة ، اللوح ، والموسيقى  ، الحبال التي تربط الأشياء ببعضها . قلمي بخيل ، ولساني أبخل .
الصورة في الداخل جميلة ، متشابكة ، ومبهرة ، ولا سبيل لنقلها ،  كالتباين بين أوراق البردي ، والأهرامات . كسور الصين العظيم وتلك القطعة التي تباع  ببضعة قروش في الأحياء الصينية البعيدة  . كشلالات نياقرا ، والبلاستيك المختبيء في زجاجة رخيصة .  كعقلي ، و... أنا !

الفرج في النافذة صغيرة ، الرماد كثيف ، والسطح بعيد ، وخداي منهكان !

متعب
مايو 2009
أتاوا 







الثلاثاء، 31 مارس 2009

أحن إلى خبز أمي

 



هرمت.. فردي نجوم الطفولة

حتى أشارك صغار العصافير
 
درب الرجوع لعش انتظارك
 
 
 
..
 
محمود درويش 
 
 
 
 

* photo by :Sandy Powers

قطرة تتكور على نفسها




الأمس القاتم ، الملطخ بالوحدة ، وضعت آثارها في كيس أسود ، حملته سيارة الصباح شرقا ، وتوجهت غربا إلى المستشفى .
 
رجل الأمن العجوز ، يسألني عن يومي ، وقبل أن أجيبه يقول : أتعرف ، كل يوم هو يومٌ جميل ! جملة سطحية ، ربما تتزحلق على قشرة المخ وتسقط ، لكنه عرف – لسببٍ أجهله-  كيف يحشرها بين التعاريج ، فتعصر قليلا من السيروتونين والدوبامين  ، تحرك عضلات وجهي بابتسامة ، لا تختفي حتى تبدأ جملته المحشورة بالذوبان ، رويدا رويدا ، وتتحرر عضلات وجهي تدريجيا مع عودة ذلك الجزء من المخ كخد يلتصق بالزجاج يسحبه أحدهم بحركة بطيئة .
نعم ، كل يوم ، هو يومٌ جميل .
أذهب إلى دكان صغير في طريق عودتي ، أرى عجوزا آخر ، تصحبه ثمانون سنة عاشها ، تقف بجانبه ولا تحط على كتفيه ، يوقع أوراق اليانصيب ! أتمنى أن أعرف ماذا سيفعل بالملايين لو فاز بها ، أفكر ، كيف يستطيع أن يبتسم ويبدو مرحا ، إذا كان خلال ثمانين سنة كاملة، لم يحقق ما يريد ! التفسير الوحيد ، هو أن يكون قد حقق مايريد ، ولكنه يملك نفسا لا ينقطع ، ورقبة لا يستطيع بها الالتفات إلى الخلف ، وأقداما لا تعرف كيف تتوقف عن الجري ، حتى لو كان ذلك الجري ، لعبة احتمالات يراقبها من فوق كنبته في دار للعجزة .
أعود إلى الشقة ، أفكر في الآخرين !آه ..  الآخرون . الغرباء ، والأشقياء ، والتعساء ، والكاذبون ، والأوفياء ، الصادقون ، والأغبياء ، المحتالون ، والأذكياء ، المجانين ، والعقلاء ، الموسوسون ، والصامتون ، والحكماء .  الغريبون ، واللطفاء . الفرحون والتعساء ، الممتعون ، والمنفرون ، الرائعون ، والذين تشفق عليهم وتحزن من أجلهم ، والذين يجعلونك تشفق على نفسك . الحزانى بلا سبب ، والراضون رغم كل شيء .
خليط متشابك ، كمستنقع عظيم ، سميـــــــــك ، ولزج ، ومتموج .  تنظر إليه، كأنك قطرة تتكور على نفسها في حافته  ، تدرك جيدا أن به ماءا نقيا ، وذهبا مصهورا ، ونفطا قد يلوثك قليلا لكنه سينفعك في آخر المطاف ، ونفطا خاما سيسدد لك فاتورة تعبك مضاعفه لو نقيته واعتنيت به . وطينا لا ينفع في شيء . أرى نفسي قطرة ماء تتكور على نفسها على حافة الخليط العظيم  ، ويتصرف كموج تحركه رياح لا أراها ، من الممكن أن يبقى بعيدا دون أن نتلامس ،  يقترب ، ويغير رأيه قبل أن يصل فيعود أدراجه ، ومن الممكن أن يلمسني ، ومن الممكن أن يغمرني تماما ! يغمرني ، وأحاول الهرب ، كسلحفاة فاجأها موج بارد ، أرهق كل أطرافي في محاولاتٍ لدفع الكرة التي أتمدد داخلها ، وأبذل من الجهد ما يجعلني أعتقد أنني وصلت إلى مستنقعٍ آخر –إن كان هناك مستنقع آخر – لأكتشف أنني لم أتحرك سوى قيد أنمله ، أتمدد داخلها من جديد ، وأدفع سطحها الداخلي المليء  بطبعات كفوفي وأقدامي المشدودة ، فقط لأبقى في مكاني .
  لا أعلم مالذي يحركه نحوي في الزاوية التي أتموضع بها ، ربما كانت قطعة ذهب منسية ، قوية بما يكفي لتحرك الأشياء في اتجاهي ، تبحث عن ماء يزيل عنها السواد فتلمع من جديد ،أو طين يريد أن يتخفف من ترابه . أو قطرة ماء ، كانت تقف مثلي على الحافة يوما ، وتريد أن تعود لتتحد بقطرة تظنها نقية . وربما أقدار ريح ، تتصادف مع أقدار موضعي ، والجزء الذي يليني من ذلك الخليط .   أفكر في أن أبدأ رحلة ملحمية أفقية على الأطراف ، لأبحث عن قطرات أخرى ،لكنني  لا أستطيع أن أرى جيدا من خلال الماء ، في محيط نظري (المائي ) لا أرى أي قطرة تقف ، والتحرك البطـيء الأفقي سيستهلكني ، كمغامرة لا أعلم شيئا عن نتائجها .
حتى إنني لا أعلم شيئا عن فيزياء الزمان والمكان والمادة هنا ! زمانياً ربما كان هذا هو  الوقت الذي استهلكته كل عناصر الخليط الذي أرى في تقرير أين تقع ، وربما كان الوقت الذي سأقضيه لأدور دورة بسيطة على الأطراف أقل من الوقت الذي أقضيه متكورا .  ومن الناحية المكانية ، ربما المكان أصغر بكثير مما أعتقد ، وربما كانت هناك تجمعات مائية أخرى ، لكنني لا أعرف كيف ألتفت داخل قطرة بأطراف مشدودة ، وموضعي على الزاوية وتحديقي بها ،  يشبه نملة تحدق في فتحة ترابية في غابةٍ نيجيرية ، بالنسبة إلى الكوكب . أما من ناحية فيزياء المادة ،  ربما كنت أصلا داخل الخليط –وهذا احتمال وارد جدا – لكنني أملك خصائص فيزيائية تفصلني عن البقية ، كما يملك البقية خصائص تفصلهم عني ، والسواد الذي يتسرطن على سطح كرتي بألوان قزحية وأهرب منه ما هو إلا طريقة للتمازج والتحول البطيء والنمو .
أمي ،ببساطة ،  تقول أنها تعرف كيف تقتنص المناطق الأنقى من الخليط ، تقول أنها ستغرف لي منه ، وتسكبه عليّ . تردد دائما أن الحياة بلا قطرات نقية .
لا ريب أن ثمة قانونٍ كوني ، يجعل قطرة حبر أسود تصبغ كأسا من الماء النقي . وكيسا من القمامة تطغى رائحته على حقل من الأزهار ولو كان في آخر أطرافه .  ربما كل ما يلزمني أن أغلق أنفي قليلا ، وألتقط الأزهار وأرحل بها إلى مكان ٍ آخر ، ولكنني أفكر أكثر من اللازم !
ربما يلزمني أن أغسل السواد مباشرة ، وأتحرك في اتجاه آخر بدلا من أن أسترضيه وأطلب منه أن يبعد لزوجته والتصاقه عني إذا سمح ، وأخبره كم هو العالم مليء بسوادٍ آخر سيفرح به . أن أتوقف عن الشفقة عليه دون أن أعرفه ، والتفكير في وجهة نظره من الأشياء .وإمكانية وجاهة فكرة التخفف بالماء .
ربما فقط يلزمني ، أن آخذ نفسا عميقا ، وأتوقف عن الخوف من السواد الذي يعلق ، وغرابة الريح ، ووقاحة الطين ، وأذهب للخوض في الخليط كفلاحٍ يلبس حذاءا جلديا بعنق طويلة
،يهرس الأشياء في طريقه ،  يلتقط ثماره ، ويرحل ، وينسى كل شيء بعد أن يغتسل ، ويقضم الثمار  الطازجة على ظهر كنبة بيضاء !
 
 
Ottawa , Feb 2009

الكتابة


الكتابة ، السيدة الوحيدة في العالم التي أستطيع أن أهجرها وأعود إليها ، فأجدها كما كانت . أدرك أنها تعطي مفاتيح مدينتها الدافئة لأناس كثر ، لكنها لا تخجل من أن تفعل ذلك في ضوء النهار . لا تكذب بشأن ذلك .لا تتخبأ تحت الأغطية المريبة ، لا تتستر بالظلام ، لا تكتم ضحكاتٍ ماجنة   خلف أبواب بريئة ، ولا تفوح منها رائحة الخطيئة .

غرقت في البحر ذاته الذي لم أتعلم بعد كيف أعوم فوقه ، لكنني لم أشأ أن أقول شيئا بأنفٍ متحشرج . أستلقي الآن فوق خشبة لم يجلبها الموج صدفة ، ولا كرما . أظن أن أفضل ما يمكن أن أفعله الآن من فوق هذه الخشبة ، أن أرحل ببصري بعيدا ، شربت من ماء البحر المالح ما يكفي ليخالط أنفاسي ، ويصطدم بأنوفكم   ، لا حاجة لي بأن أتقيّأه أمام أحد  .  أتصور أنني لو تحدثت عن قطعة ثلج نسيها الهواء الدافي الذي مر بعدها في زاوية الرصيف   لذابت في مكانها دون أن أدري . 
طائرة الذهاب ، وأحلامي المرتبة داخل علبة شوكولاته لم يتناولها أحد ، والساعة التي قضيتها هناك ، دموع أمي ، ضحكاتها ، والطفل الذي يحمل تاريخ ميلاد يصلح لسيارة فارهة ، صديقي الكهل الذي يتعذب ويعذب ،   أصدقائي الصغار الذين يكبرون في الاتجاه الخاطيء ، عشي الذي أردت أن أعيد ترتيبه ، وابتدأت أشعر بأن أعواد القش أثقل وأندر مما كانت عليه ، مدخراتي التي تتبخر أمام عيني ، الأحداث التي ترسل الناس إلى المستشفيات والسجون والشوارع وأرسلها إلى زاوية ممتلئة بالأشياء المكدسة في زاوية قلبي اليمنى. أضغطها جيدا ، وأحشرها حتى تختلط باللحم وتبعد عن الدم . أحشر بين كل عاطفتين مؤلمتين عاطفة جميلة ، ولا شيء أصعب من محاولة إخراج العاطفة الجميلة بعدما تتعفن بيد عمرو لا بيدي . بعد أن أدركت أن يد عمرو باغية ومتقلبة وتفعل مايحلو لها ، ابتدأت بتجنب وضع عواطف جميلة ، حتى لا آتي بعد زمن لإخراجها، وأنكث كل الأشياء المضغوطة فتتمدد ، وأرهق إبهام عقلي في محاولاتٍ لحشرها مرة أخرى في الزاوية .
أي سخف يجب أن يستوطن عقلي ، قبل أن أحاول أن  أعصر كل هذا في كأس واحد من الحروف .
أفكر أن أكتب شيئا كرسائل جوته التي ضمنها روايته (آلام الشاب فيرتر)  . أو كسقف كفاية علوان . كم أحتاج من الزمن والجهد والألم ، لأقطر نفسي في قارورة كتاب . لأتحدث عن كل الأشياء الصغيرة ، التي أراها جيدا ، التي تضيع في زحمة الناس ، والمدن ، والسيارات .   كم أحتاج لأدوزن كل النغمات الخافتة ، التي يغطيها الصخب ، كم مقصا أحتاج لأطفيء  كل المصابيح الكهربائية ، وأصف   رصيفا باهتا ً يجالس الليل  . كم قلبا أحتاج لأتحدث عن ذلك الذي لم يعد صالحا للكتابة  ، أي حبال ، ومواد لاصقة ، وخفة (عقل) تجعلني أبدو ساحرا    ، سأحتاج أن أستخدم ، لأربط صوت محمد عبده ، بالبرد ، بشوقي لأمي ، بالطائرات التي تذهب بي وتعود ، بالأرصفة ، والشوارع ، والأوجه الغريبة ، والأوجه المألوفة ، بالمرضى ، وسيرهم الذاتية ، التي أحاول أن أغير فيها دون موافقة صريحة من طرفهم ، والمشردين ، وابتسامات باعة القهوة ، وهدوء أمينة المكتبة ، بالليالي الطويلة على سريري ، والليالي الراكضة في المستشفى ، والليالي  الناضحة بالصداع والبرد ، والليالي الضاحكة ،   بالصباحات الهادئة ، والطرق المنسابة ، بالنهر الهادي ء ، وذاك القارب الصغير ، بشعور الفرح ، وشعور الوحدة ، وشعور النشوة ، وشعور اللاشيء. كيف أربط أشعار ناجي ، وغزليات ابن زيدون ، وبلد رسول حمزاتوف ، و(مسوخ ) كافكا ، بتعليقات قراء الجرائد السعودية ، والمقالات التي تنخر في مزاجي ، وسخافة (بنات الرياض) التي أشعرتني بشعور رجل أمريكي حدثته عن مشاهدة برنامج (جيري سبرنقر)عن طريق (أوربت) السعودية وكيف أنه يتعرض لدواخل المجتمع الأمريكي ، ورأيته يلوي فمه  ، ولم أفهم حينها شعوره . ظننت أنه يخجل من تعريته بهذا الشكل ، وتعلمت فيما بعد كم هي الانتقائية فعل خائن جدا ، يلوي عنق كل شيء.   كيف لي أن أربط هذا بمكالمة   تعكر مزاجي في الرابعة صباحا . وكيف ألمح بذكاء إلى علاقة سهري في المستشفى، وقضاء ساعات أربع مع مريض وعائلته ، أهون عليهم ، وأستمع لهم ، وأحاول أن أساعدهم ، بتلك الخائنة التي تعهرت فجأة . !
كيف لي أن أربط أغنية غوار ، التي أدندن بها في مساء سعيد ، (شو حبيتي بنص نصيص هالبورزان ) ، بتلك التي أحبت نص نصيص ، كيف أصف الثانية التي أغمض فيها عيني وأنا أكتب التاريخ على روشتة الدواء وأتذكر ، هذا التاريخ الذي كان سعيدا لسنين ، وأصبح عاديا جدا ، أتذكره فقط بعد أن أنتهي من كتابة ، ويثير في ّ كآبة خفيفة ويرحل  !أبتسم لنفسي ، ولا يسألني أحد لماذا أبتسم !
 كيف أجد علاقة بين زحمة شوارع الرياض ، ووجوهها الغاضبة ، بتقاطيع وجه غاضب في غرفة الإسعاف أمر من خلاله إلى الرياض مرة أخرى . كيف أجمع بين السعوديين الذين لا يفكرون باحترام الآخرين ، وعجوز يبقي لي الباب مفتوحا بعكازه في جملة واحدة . كيف أجلس على مقعد أرى من خلاله عالمان ، وانتقل بينهما برشاقةجنّي .
، كيف لي أن أجمع الأحداث كلها ، ابتداءا بسحب طرف كم كنزتي لأقوم بتدفئة أصابعي ، مرورا بحادث سيارة سائقنا الذي ذهب بالسيارة للتشليح ، وارتعاش صوت أمي ، انتهاءا بعناق ٍ باكِ ، وأخرج العوامل المشتركة ، فيما بينها وابدأ بالحديث عن الأشياء التي تملك أربعة أشياء مشتركة فيما بينها فما أكثر ، وأخلطها في أنبوبة حبر ، تكتب فصلا ً ، وتتوقف .    ثم أقوم بعمليات حسابية معقدة ، تعطي الأشياء أرقاما بناءا على أهميتها ، ومن ثم تعطيها رقما آخر بناءا على علاقتها بالأشياء الأخرى وعدد العوامل المشتركة ، ورقما هو ناتج مربع حجم الدم الذي تضخه في عروقي مقسوما على حجم الدم الكلّي .واجمع الأرقام لكل (شيء) ، وابدأ بالأشياء الأكبر فالأصغر .
يؤرقني الكلام الذي لم أقله ، أنماط التفكير التي أتفرج عليها وأود أن أعلّق ، وليس ثمة آذان ، الأغلاط المنطقية الفاضحة في الجرائد ، الفئران التي تدور في علب زجاجية ، ولا أدري بأي لغة أحدثها لأخبرها عن أبوابٍ لا تراها ، أفكر فيما اذا كان هناك فأر مغتر بنفسه بينها يفكر في شرح الشيء نفسه للقش الأصفر تحته . هل أنا أهم أم أتفه مما أظن ؟   لا أحد يخبرني    .   لا أحد .
كيف أنسج كل هذا في سجادة واحدة أجلس عليها ، أو في معطفٍ أتلحفه ، أو رقعة فنية أعلقها ، أو جورب ألبسه في قدمي ، أو هل يجدر بي أن أكومها ككرة من الخيوط وألقي بها في الزاوية ، أو هل من الأفضل أن ألقي بها في سلة المهملات ، أو ربما من الأهون أن أترك الخيوط تتناثر في كل مكان ، الملقاة وحدها كخيوط مبعثرة ، والناتئة   ، لا سيما تلك الناتئة المتصلة بأشياء أخرى ، ليس من الحكمة جذبها ، ومحاولة وضعها في نسيج آخر . ربما . يجوز .محتمل .  لن أعرف إلا عندما أتلحف المعطف ، وأستلقي على السجادة ،أو يدغدغني الجورب ،  أو أتأمل الرقعة .وحينها ستكون أي محاولة لإلقاءها في سلة المهملات متأخرة جدا وعبثية جدا .
 ومضيعة   للوقت . والدم . والأرقام . والتفكير . والحبر . واستثمارا سيئا لآذان لن تبقى طويلا . وخيوط كان بإمكانها أن تنسج نسيـجا خالدا .

أتاوا - ديسمبر -2008 

رمضان الكندي مرة أخرى ، وكرة الصوف



عاد رمضان الكندي . كانت أول مرة أقابله فيها منذ عام ، كنا نحترم بعضنا كثيرا ، أجلـلته ، وغمرتني سكينة لا أظن أنني كنت أتصنعها . واحترمني بدوره ، كان يربت على كتفي حينما أفطر وحيدا ، ويرسل لي صوت أمي يسألني عما صنعت من فطور ، وكيف هو الصيام هنا .
إلا أنه في هذا العام ، على أنني ما رأيته منذ سنة ، جاء كصديق قديم ، يصفعني على قفاي ويضحك . يرونه أهلي في الرياض من بعــــيد ، أنا وهو ، نقطتين متعانقتين ،ومعرفة سابقة ، ولا يسألني أحد عن التفاصيل .
كم استثقلت حضوره في بداية عودته . وقته أطول . عمله أكثر . وروحانيته أقل . صداعه يمتد من الثامنة صباحا وحتى السادسة مساءا . قبل أن أنام وأصحى على صوت المنبه الذي يؤذن بطريقته الخاصة .
في اليوم الأول ، عزمت نفسي على سفرة أرضية ، صنعت قهوة عربية ، ووضعت حبات من التمر قبل أن أكتشف أن صلاحيته انتهت ، وإبريق شاي ، خبز ٌ دافيء ، وزيت زيتون ، ولبنة . وعادت الروحانية بجيوشها ، بحثت عن مصحفي الصغير . كرهت تفكيري الطفولي ، جالست رمضان الكندي على السفرة ، وأعتذرت عن سخافتي ، واستثقالي لحضوره ، توقف عن الضحك ، لم يتوقف عن صفعي في الأيام التالية ، لكنني كنت أحتسب الصفعات ، وأبتسم .
كل يوم ، له خريطة خاصة به ، قبل أن يؤذن المغرب ، وأصل إلى الكنز . ثم أتضاءل أمام نفسي حينما أفتح الصندوق . أعزم أن أكون أكثر صبرا ، ويزيد صبري في كل يوم ، إلا أن الخريطة تتغير في كل يوم بدورها .
قررت أن أطلب من رمضان أن يعلمني الصبر ، وتقدير نعم الله علي ، في اليوم التالي ذهبت إلى المستشفى في الثامنة صباحا ، قبل أن أغادر بعد أن انتهى الدوام إلى البيت منتظرا (بياجر) المستشفى الآخر ، أولها جاء في السادسة ، ذهبت إلى هناك ، وأفطرت على قهوة ، على مرمى من عين المريض الذي جئت لأراه . لم أغادر إلا في الواحدة والنصف صباحا ، لم أجد أحدا يستقبل جياع الليل سوى ماكدونالدز ، أخذت مكاني واقفا بين الكثير من المراهقين الصاخبين ، والصاخبات بعد أن شربوا كل مافي علب الليل قبل أن تغلق ، وتلفظهم إلى الشارع . شعرت وكأني حصان على شجرة قرود . ابتسمت للفكرة ، وظنت قردة سوداء أنني أبتسم لها ، تأكدت من فكرتي ، لو لم أكن حصانا لما لاحظتني بين هذا الكم من القردة .
أكلت صامتا كطفل يقضم رغيفه في الزاوية . أتحسس (بيجري) ، وأحملق في اللوحة على الجدار ، وكأنني أنفذ إلى ما خلفها . أفكر في العودة إلى البيت ، أخبرتني الممرضة قبل أن أغادر أن ثمة مريضة يمكن أن يحولهاطبيب الإسعاف إلينا ، لكنها لا تعلم متى ستكون جاهزة . قررت أن أذهب إلى البيت ، ربما أتسحر بطريقة أفضل ، ربما لا يحتاج الطبيب لتحويلها .
في الدقيقة الثالثة من دخولي إلى الشقة ، زعق البيجر كديك ٍ لم يدربه أحد على الزعيق فقط في أوقات الزعيق ، المريضة تنتظر ، خرجت إلى هناك . قرأت في ملف المريضة ، قابلتها مع صديقها ، قابلتها بعد ذلك لوحدها ، وخرجت لأكلم صديقها ، بكى من أجلها ، ربت على كتفه مطمئنا ، أدخلتها إلى المستشفى ، وخرجت منه ، فاتني السحور . لكنني شعرت وكأنني وجدت كنزا دون خريطة . خرجت مبتسما ، ابتسامة من وافق رمضان الكندي على أن يعلمه الصبر . توقفت عن النظر إلى الخرائط كل صباح . وأصبحت أفطر دون أن أخرج صناديقا من الحفر .
ذهب الجوع ، والعطش ، وتضاءل صداع القهوة ، والهواء الكثيف . وبقى شوق يتكور في حلقي مع كل فكرة أمضغها ، وأحاول بلعها فتتجمع ككرة من الصوف ، يعلق بها وجه أمي ، رائحة قهوتها ، ركبة أخي الذي يجلس بجانبي ، ابنه الذي لم أره بعد ، ابتسامات أخواتي ، كنبة الزاوية في الصالة ، صوت صلاة الحرم .ثوبي الأبيض .
أشعر وكأن كرة الصوف هذه ، مضمارا طويــلا أركض عليه كجسم ضئيل ، لا يراني أحد بعينه المجردة ، أركض ، وأركض ، وأقابل غابات من الشعر الذي لا يراه أحد كما أراه ، وأقابل الأشياء العالقة ،أتقيها بكفي ، أشم روائحها ، فلا يمكنني أكثر من ألتفت ، أحس بنغزات سريعة في قلبي ، ونغزات أبطأ ، على حسب سرعة الركض ، وكثافة الشعر ، أشعر بأنه بمجرد وصولي للرياض ، سأتوقف ، وأستلقي على الخيط ، الذي سيتكور سريعا فوقي وتحتي ويصبح كل شيء ككرة صوفٍ صغيرة ، أجلس داخلها ، وأتناول كل شيء بيديّ بعد أن تكوّر ، بلاحاجةٍ للركض ،وأملؤ الكرة/الخيط بروائح أخرى ، وأفكار ٍ أخرى ومشاعر أخرى ، قبل أن أمتطي ظهر طيارة العودة إلى هنا ، وأثبت طرف الخيط في الرياض ، وأمسك كرة الصوف التي تتفرع منه ، وأسحبه معي إلى كندا ، وتتمدد فوقه الروائح ، والأفكار ، والمشاعر ، الجديدة والقديمة .
ربما يلزمني أن أبحث عن جسم ضئيل آخر ، بخيط يشبه خيطي ، ونلصق الخيطين بجانب بعضهما ، باتجاهٍ واحد ، نمشي سوية في الطرق السالكة ، وننتقل من خيط إلى خيط كلما واجهنا غابة من الشعر في أحد الخيطين . فنصل سريعا ، دون نغزات ، لكن مشكلة الأجسام الضئيلة الأخرى ، أنها لا تخبر بكمية الشعر الموجود على خيوطها ، ويستحيل أن تراه بعينك المجردة قبل أن تقترب . فلا حيلة لي في رؤيته إلا بعد أن لصق الخيطين . وعندها قد تكون غابات الشعر ، هناك ، أكثر كثافة من غابات الشعر على خيطي ، بل ربما تكون كثيفة لدرجة اعتراض خيطي في مواقعه السالكة . وخيطي ، ربما يتفسخ منتجا مزيدا من الشعر حينما يمشي فوقه جسمين ضئيلين طوال الوقت .
أتخيل أيضاً ، أن ثمة أجسام ضئيلة تائهة في ملكوت الله لا خيوط لها تبحث فقط عن خيوط تتشبث بها ، وأخرى بخيوط بلاستيكية باردة لا تتكور ككرات الصوف الدافئة ، و"شعرها" له نهايات جارحة عندما يتفسخ ، ليس كالزغب في الخيوط الصوفية . وأملك ما يكفي من الإنصاف لأتخيل أيضا ، أن أجساما ضئيلة أخرى ، تتزحلق على خيوطٍ حريرية لا تتفسخ ، ربما سأسعد بالتزحلق فوقها ، لكن لا أدري كيف سيشعر الجسم الضئيل الآخر حينما أحتاج لدفء غابة كثيفة في خيطي الصوفي أريد أن نزورها سوية ، أو حينما أتكور داخل كرة الصوف ، أو حينما أحتاج للمرور من خلال نقطة عبور في غابة كثيفة لا بد لي من اختراقها .
الأجسام الضئيلة الأخرى ابتسمت لي كثيرا . تحاول أن تتشبث بخيطي في مواقعه السالكة . لكنني أخاف من أن لصق أي خيطٍ آخر ، قبل أن أكوّر خيطي ، ونسحبهما سويا . قدري أن أحمل كرتي الصوفية ، وأبحث عن كرة أخرى أتشبث أنا بها . وأحاول أن أحكم على تفاصيل الخيط من خلال شكل الكرة . وأسحب الخيطين من الرياض إلى كندا ، دون أن يتمزق شيء .
حتى ذلك الحين ، سألاعب خيطي ، وأتزحلق فوقه كبهلوانٍ ضئيل . أركض فوقه . أكوره وأفرده ، وأتسلق غاباته ، أتجاوز أكثرها تشابكا وأخرج لاهثا ،متعرقا ، متقطع الأنفاس ، وألتفت في كل الاتجاهات، دون أن يصفق لي أحد ! ودون حتى أن يراني أحد !
متعب
أتاوا - سبتمبر -2008