الأحد، 20 فبراير 2011

من مقعد في آخر قاعة المتفرجين، في الزاوية العليا على اليمين






من مقعدٍ في آخر قاعة المتفرجين. في الزاوية العليا على اليمين. أتفرج على مسرحية غريبة، أسميها مسرحية ليس لأن هناك من يمثّل على المسرح، طاقمها صادق بدرجة مربكة، فقط لأنني لا أملك كلمة أخرى تعبر عن مشهد درامي، بضوء يتسلط على شخص ما، قبل أن يسدل الستار، وكلمة تستطيع أن تعبر عن خليط المتفرجين الذين يستقبلون ما يشاهدون بانطباعات مختلفة جدا. تلك المسرحية أبطالها كثيرون. لكل فصل بطل واحد، يملؤ المسرح، ويشغل الناس، حتى لتظن أن ألسنتهم ستلهج بذكرة ردحا طويلا من الزمن. وفجأة، يختفي، لا أستطيع أن أقول بلا مقدمات، لكن بالمقارنة بحضوره السابق الطويل لا تملك إلا أن تحس بأنه اختفى فجأة.
لم يخبرني أحد عن هذه المسرحية، التي أحضرها مجبرا ، لا أعلم من هم أبطالها، حتى أراهم. لا توجد أية إعلانات تخبرك عن بطل الفصل القادم. كل فصل له لهجته الخاصة، إضاءته الخاصة، بل حتى متفرجيه الخاصين، عند بداية كل فصل، يتقدم بعض المتفرجين من الخلف إلى الكراسي الأمامية، ويتبرع الجالسون في الأمام بمقاعدهم عائدين إلى الخلف، يحملون رؤوسا أثقل مما كانت حينما جلسوا هناك. القادمون إلى المقاعد الأمامية يحملون معهم أحيانا لوحات بلاستيكية شفافة مضحكة لابد أنهم أحضروها بسرعه وهم يهرعون للمكان، يرفعونها عاليا، ليرى الناس المسرحية من خلالها. ترى بعض الرقاب في الخلف تلتلف لتتجنب المشهد المشوه وترى المشهد على حقيقته، الغريب أن بعض الرقاب في الزوايا التي تمكنها من تجنب اللوحات، كانت تلتف حتى تستطيع أن ترى المشهد مشوها!
النجاح المدوي للفصل الأول، والفصل الثاني، أربك المتفرجين الذين امتزجت دهشتهم البالغة، بالترقب لكل هذه الإثارة لمسرحية يصلح كل فصل من فصولها ليكون مسرحية ملحمية. الطاقم خلف الكواليس أصبح مثارا تماما. بدأ ترتيب الفصول يختل.انقسم المسرح لثلاثة فصول مختلفة، كلها يستخدم صيحات المتفرجين وكأنها تخصه وحده، ابتدأ الحماس بضخ (الأدرينالين) في العروق. أصبح الناس يرددون عبارات الفصل الأول والثاني، لا يبدو أن أحدا يريد أن يصنع مشهده الخاص، كيف يمكن لمشهد جديد، أيا كان، أن يحصل على نجاح مشابه.
نسبة النجاح الكاملة حتى الآن. مغرية جدا، قد تستمر الفصول حتى لا يبقى أي بطل ليمثل فصلا جديدا. ويرحل كل المتفرجين بعد أن شاركوا في الفصل الذي يخصهم. مثل ذلك الذي حصل في المسرحية الشرق أوروبية.
أرى الهرج وأفكر من مقعدي على الزاوية في محمود درويش، وأتخيل شكل (الباتشينو) في تاجر البندقية، وأسمعه يقول:
"أما (للغبيّ)كما لليهوديّ
في تاجر البندقية،
قلبٌ، وخبزٌُ
وعينان تغرورقان.."

أفكر من مقعدي على الزاوية، متى سيأتي الفصل الذي يخصّني، لم يعلمني أحد كيف أقف على المسرح من قبل ولا أظن رفاق جيلي الذين شاركوني مقاعد الدراسة يختلفون عني كثيرا في هذا الأمر. أنا لم أخطط يوما لأقف على مسرحٍ من أي نوع، المتفرجين الذين تسلقوا عتبات المسرح فاتحين صدورهم لكل ما يمكن أن يأتي، هل كانوا على مقاعدهم يخططون لمثل هذه الفرصة أم أن المسرحية الغريبة، التي تستهلك كل تركيزك فلا تلتفت، تستحق مسرحاً غريباً، مسرحا، يظن كل جالسٍ فيه ، أنه يجلس على مقعده في آخر قاعة المتفرجين، في الزاوية العليا على اليمين، يتفرج على مسرحية غريبة.

متعب
أتاوا،
٢٠ فبراير ٢٠١١

*Photo by: Brian Henningsen

السبت، 24 يوليو 2010

السخافة المكتملة المرتبة ، والآسئلة الناقصة العشوائية

























فكر طويلا ،قبل أن يتنهد : آه كل هذه الأسئلة اللا مجابة
!
ربما كانت معضلته في توهم وجود إجابات لها ، فيتخيل أن المشكلة في أنه لم يعثر عليها بعد ، كيف يمكنه أن يكون بهذه السطحية ؟ أو ربما هو ليس كذلك ؟
ماذا عن السعداء في الأرض ؟ هل هم نتاج أسئلة عميقة أمكن لها أن يجدوا لها إجابات مرضية ؟ أم هم أناس لم يتساءلوا يوما عن شيء ، مضوا في طريقهم دون أن يحملوا الأمور أكثر مما تحتمل ، تجاهلوا كل هذه الأشياء التي يحاول هو أن يغرق داخلها .
هل يتعاملون مع تلك التساؤلات التي يحملها كطير ٍ يطير فوق تجمعات للمياه ، فيحط على طرف من أطرافها دون أن تبتل قدميه ، ولأنه علي الحافة ، لا يعلم شيئا عن العمق الذي يمكن أن تصل إليه المياه ، يصل إليها ويرحل ، وهو يعتقد أنها مستنقع صغير ، استطاع أن يتذوق مياهه ، ويمضي ليخبر الجميع بطعم تلك المياه ، وما يعلمه عنها ، وتجربته هناك . يصدقه الجميع.
يصدقونه لأن الغارقين داخل المياه ليسوا هناك ليفندوا مزاعمه ، ولو كان أحدهم في الجوار سيكون مشغولا بما يكفي لكي لا يتمكن من الحديث مع طير صغير لا يعلم شيئا .
فينتهي الحال بذلك الطير ، وقد رضي عن نفسه ، يتحرك من بقعة إلى أخرى ، يطوي الأفق سريعا ، بلا تعقيدات ، ولا أسئله
كيف يمكن بحال من الأحوال أن يقارن ذلك الطير ، بنفسه ، هو الذي كان حينما يريد آن يعابث أمه التي تشعر بالدوار حينما يتحرك أحد أمامها كثيرا ،يمشي على الأطراف الأربعة للسجادة في خطوط مستقيمة بدلا من المشي العشوائي ، فقط كي تصبح سخافته مكتملة ، ومرتبة . كيف يتعامل مع شيء أهم من السخافة بقليل ، على الأقل بالنسبة له : حياته
سؤاله المهم ، لا ، ربما أهم أسئلته على الإطلاق : كيف يتحرك في مثل ذلك المكان ؟
هل يلمس المياه سريعا ويرحل ؟ أم يحاول أن يلمس قاع كل بئر قبل أن يمضي في طريقه ؟ هل يحاول أن يفعل الأمرين بأسرع ما يمكنه ؟ أم أنه يحتاج للتركيز على بئر بعينه ، ويغوص فيه إلى الحد الأقصى الممكن ؟
ربما كل ما في الأمر أنه يتوجب عليه أن يتجاهل كل تلك المياه على الأرض وينظر للسماء حيث يمكن أن تكون قد تكونت ، أو ربما يبحث عن نهر قريب ؟ أو أن الإجابة تكمن في اختبار التربة بجانب المياه ، ليعرف ما الذي يصنع مستنقعا ، ومالذي يصنع بئرا ، وما الذي يجعل التربة لا تحمل شيء ؟ هل التربة تحت الماء أفضل أم التربة العارية ، ربما ستفكر الطيور ، وكل تلك الكائنات على حواف المياه بأن التربة تحت الماء أفضل ، لكن التربة العارية ربما كانت كريمة بما يكفي لأن تسمح للماء بالنفاذ ، لم تصد دونه أبوابا يتجمع على مداخلها . ربما حين يفك رموز ذلك يستطيع أن يصنع بركة صغيرة ،يكون أكثر تواضعا من أن يسميها بئرا ، ويرجو ألا يظنها أحد مستنقعا ، قبل أن يفعل ذلك ، لابد أن يتقن المشي على خيط دقيق، يوازنه جيدا بين أن يكون بخيلا بما يكفي لصد الماء وتجميعه ، وذكيا بما يكفي ليقنع الجميع بكرمه.
ربما كان أسهل الحلول أن يجلس على طرف تجمع ما ، ويراقب الطيور التي تحط هناك ، والتي تغرق قليلا ، والتي تغرق أكثر ، ويحتار لنفسه موضعا يتناسب مع" المعدل " ، ويجعل من التصرف الطبيعي ، مبدأً إحصائيا ، يسبح مع التيار ، ويستمتع بذلك الدفء الذي تمنحه الأكتاف المتزاحمة على المنتصف.
ربما كان الحل أن يمشي متنزها ، مستمتعا ، وكأن الماء لا يعنيه في شيء ، وكأنه لا يوجد هناك أي علاقة محتملة بينه وبن الماء ، ينظر أي التجمعات تحيط بها طيور كثيرة ، يتفحص ملامح الطيور في الأماكن المختلفة ، وأين هي التجمعات المزدحمة
يراقب الناس ، والطيور ، يثمن قفزة شجاعة هنا ، وغوصة عميقة هناك ، يبتسم بإعجاب ، ويسجل ملاحظات أخرى عن غباء بعض اللمسات الجبانة ، وتلك التي تقف على الحواف ، يفكر في الكيفية التي يفعلون كل ذلك بها ، ويفكر كيف يمكن أن يفعل أشياء مشابهة بطريقة مختلفة ، يرى عينات متعددة من الأشياء هنا وهناك ، ليكون فكرة أوضح عما يجدر به أن يفعله - يوما ما -
يجرب أن يغوص قليلا ، في بئر، لينسى أنه جربه بعد فترة من الزمن ، يفكر في أنه يجدر به أن يجد بعض الوقت ليعمل خريطة للتجمعات المختلفة ، وطريقة يوضح بها ما قام به حتى الآن ، وما يجب عليه أن يقوم به فيما بعد ، كيف يصبح أكثر فعالية
كاد أن ينسى ، هل يجب عليه أن يجد رفيق سفر ؟ على الأقل ، أحد ما ، ينتظره على الحواف حتى يعود ، فقد يعود مبتلا ، وقد يشعر بالبرد ،ربما يحتاج حبلا من وقت لآخر ، يفكر : يكفيه جمهور من شخص واحد ، لا يشرب من الأطراف، ولا يطير سريعا من مستنقع إلى آخر، كل الغواصين لهم قوارب تنتظرهم ، وقصص الغوص ستكون أدفأ كثيرا لو خبزها اللسان في وقتها ، والأيدي المنتصرة ، المتجهة الي السماء ، تستطيع استعمال كتفين في طريق عودتها، وحبات اللؤلؤ سيسرهاأن تنتظم في عقد لرقبة تثمنها .
يحمل أسئلته في قارورة صغيرة ، ليشرب منها في طريق العودة ، وتتسلق قربة ماء على ظهره، ويمضي.

أتاوا
يوليو - ٢٠١٠


السبت، 29 مايو 2010

لحاف أفريقي على طرف السرير

















أفريقي أسمر ، غائر العينين ، يتخصص في الإعلام ، يصلح لأن يعمل انقلابا على (موقابي) الذي عمر طويلا في زيمبابوي ، نحيل بما يكفي لأن يرفرف رداء المستشفى الأزرق حوله كشرشف تداعبه الريح على غصن شجرة ، جلس خائفا ، وتحدث خائفا قبل أن يبتسم قائلا : " ماذا تظنين ؟ " حينما سألته الطبيبة التي تقابله : هل تخشى أن تموت والدتك ؟
ابتسامة حملها كل ما يملك من السخرية ، ابتسم كثيرا للفروقات بين المجتمع الكندي الجديد الذي تعرف عليه قبل أسابيع ومجتمعه الأفريقي ، ابتسم حينما رأى عمود الحريق الأصفر على الرصيف الذي لم يره من قبل سوى في الأفلام ، استغرب حينما سألوه في الاختبار الذي أجراه بعد أسبوعين من قدومه عن فريق السيناتورز الشهير ، ولم يعرفه ، لم يعرف حتى ماذا يعنون برياضة الهوكي، تحرج من أصابعه التي تتحرك أصبعا أصبعا فوق لوحة المفاتيح حينما قارنها بأصابعهم التي تتقافز فوقها . ابتسم حينما حصل على بطاقة عبور الحافلة ، واستخدمها في قضاء اليوم كاملا من حافلة إلى حافلة دون أن يعرف إلى أين تتجه ، لاشيء يهم ما دام سيستخدم البطاقة للعودة من حيث أتى
ابتسم كثيرا ، قبل أن تكشر الحياة عن أنيابها ، غرق أخاه الصغير في زيمبابوي بعد أسبوعين من وصوله ، وبعدها بأيام ماتت ابنة أخيه بمرض داهمها ، وبعدها بأسابيع مات عمه ، وجاءت القشة الأخيرة حينما مات صديقه في حادث سيارة قبل أسبوع. تساءل عما يفعله هنا ؟ ولماذا أتى ؟ قالوا له أهله هناك بأن ينسى كل شيء ويركز على دراسته ، تلك التي دفعت كل قريته من ،أجلها الكثير ، كان يقرأ فلا يتذكر ، ويذهب إلي الجامعة محملا بحقائب من كل نوع ، يتحدث بلسانه الجديد الذي كان يدربه منذ سنوات طويلة لمثل هذا اليوم.
كان طالبا نجيبا ، عمل أبيه مديرا لمدرسة ، وحينما كان لا يخرج ليبيع الحلوى للأطفال في الشارع ، كان يذهب إلى المكتبة ، ويقرأ كل شيء ، أحس الجميع بنبوغه ، وقال أنهم عملوا كل شيء ليأتي إلى كندا ، على كتفيه حقائب ثقيلة من الآمال ، ألقى بها كل من يعرفه هناك شيئا ، حينما كان في بلده كان للحقيبة أيد ٍ وعجلات ، كانت تدفعه إلى الأمام ، قبل أن يسافر ولم يعد يملك سوى يديه لكن أحدا لم يتوقف عن إرسال الدعوات والآمال بلا أيد ولا عجلات
صار كل شيء أثقل من أن يحمله ، وخرج الى النهر لينهي كل شيء ، قبل أن يأتي إلى المستشفى يطلب المساعدة ، منحوه رداءا أزرقا ، وسريرا أبيضا ، وضع على طرفه لحافا ملونا من بلاده أحضره معه . يتحدث للناس عن بلده التي لا يعرفونها، عن الآمال التي يحملها ، عن ابنة أخيه الصغيره ، عن أخيه ، عن عمه ، وصديقه ، عن عائلته الكبيرة ، عن أمه التي أصبح يخشى عليها بعد أن تتالت الحوادث عليه ، يرى فيها سببا لوجوده هنا حتى يمنحها حياة أفضل ، وحينما تحدث عن قلقه عليها ، سألوه عما إذا كان يخشى أن تموت . ابتسم ، لسخافة السؤال ، ابتسم للقدرة التي يملكها الناس هنا لوضع المشاعر في عبارات معلبة ، تسأل عن الحقائق ، تجعل من البؤس اكتئابا ، وتجعل من الحزن على الأموات كلمة لم أعثر على ترجمة عربية لها بعد
انتشلوه من حزنه بطوق نجاة بلاستيكي جاهز للاستعمال مع الغرقى جميعهم ، ربما كان يتمنى أن تنتشله كف أمه التي لا يقدر أن يراها ، ربما كان يتمنى أن ينتشله غضن شجرة كان يمر بها غير عابيء في قريته ، ربما كان يتمنى حضنا دافئا ليجف سريعا بدل أن يتركوه ليجف وحيدا في البرد ،ربما كان يحلم في الليل بابتسامات سمراء ، وطبول أفريقية ، وملابس مزركشة وشعور خشنة ، وأقدام عاريه سوداء أطرافها صفراء من التراب ، ويصحو على سرير أبيض ، وابتسامات بيضاء كان يرى مثلها في الأفلام.

اتاوا
مايو ٢٠١٠

السبت، 17 أبريل 2010

صناديق وأرانب ....


















لا أعرف ما الذي يزعجني أكثر ، الأشياء التي لا أملك لها صناديقا ، أم الصناديق التي لا أملك لها أشياءا. فكرة تكديس صناديق فارغة تبدو أكثر إغراءا الآن من أي وقت مضى ، الأفكار التي لا تنتهي ، تلك التي كنت أظن أنني سأجد صندوقا يحويها ، تتحول إلى صناديق ، واستحال ملؤها إلى مهمة مستحيلة لا تنتهي

أفضل ما يمكن فعله الآن وضع خريطة هرمية للصناديق ، واختراع أبعادٍ أخرى تخصني ، غير الطول والعرض ، والوزن طبعا. مهمة شاقة أخرى ، لكنني إذا استطعت فعلها دون قطع صناديق كثيرة إلى قطعتين لكي أستطيع أن أضعها في مكانين مختلفين في نفس الوقت ، إذا استطعت فعل ذلك ، سأتمكن من مد قدمي على الكنبة الطويلة ، واصطياد الأفكارفكرة ، فكرة ، ومن ثم أستطيع أن أكورها ، وأرمي بها في الصندوق المناسب.
وقتها ستتلهف الأشياء على الصناديق لترتمي في أحضانها ، وتتلهف الصناديق على الأشياء ، وقتها أستطيع أن أترك الأفكار تتوالد كأرانب دون أن أفكر في الأقفاص التي ستحويها . وقتها ، أستطيع - كما فعلت صباح اليوم - أن أكوي بنطالي الرمادي في خمس دقائق ، وأفكرباسما في كم من الدقائق سأوفر لو كنت أقصر بخمسة إنشات
وقتها، سأستطيع أن أخرج خفيفا للركض بجوار النهر ، أفتح فمي لأشرب المطر كما كنت أفعل في بيت جدي قبل عقدين من الزمن ،وقتها سأغسل الأطباق كست بيت محترمة ، لا كخادمة تريد أن تنتهي من عملها ، بأسرع ما يمكن ، سأستطيع أن أترك الشاي يغلي مع الحبق لعشر دقائق كاملة ، وقتها سأتناول كتابا عشوائيا من مكتبتي لأقرأه قبل أن أنام ، وأقهقه على كل النكت بالغة الظرف ، وبالغة السخافة اللذيذة ، ولن أهتم في أي صندوق ستنام تلك الليلة ، كل الصناديق تستطيع استعمال القليل من السخرية

وقتها ، لن أمنع نفسي من الاستطراد في التفكير في اختلافات البشر ، حينما قال لي المريض الذي رأيته في الخامسة مساء هذا اليوم ،بأنني محظوظ ، لأنني سأذهب لأتناول عشاءا شهيا في بيتي مع أهلي بينما يقطن هو في المستشفى ، وجاوبته باسما بأنني مناوب لأربع وعشرين ساعة اليوم ، كنت أوشك أن أخبره ، بأنني رأيت مريضا آخر قبل سنة ، بحالة أخطر من حالته ، قال لي في نفس الوقت من المساء ، وهو يحدق بي وأنا أكتب شيئا من أجله : " ألا يجدر بك أن تكون على كرسي مطعم ما في الهواء الطلق ، في مثل هذا الجو الجميل " ؟
كنت أوشك أن أخبره ، بأنني لن أتناول عشاءا شهيا اليوم ، وأن زوجته الباسمة الى جواره تصنع له بيتا في عينيها ، لا أدرك لماذا لا يستطيع أن يراه، كنت أوشك أن أخبره ، بأنني حتى أتناول عشاءا شهيا في بيتي مع أهلي يلزمني أن أقطع سبعة آلاف ميل ، وأقلب صفحات التقويم صفحتين ، وأدفع ثلاثة أضعاف ما سيدفعه هو للجهاز الذي يساعده على النوم ، ولم يرد أن يشتريه بنقوده
كنت أوشك أن أخبره ، بأن صندوقه الوحيد الذي يكدس به الأشياء و يقارن به كل صناديق المارة التي يتخيلها على حقيقة غير حقيقتها ، ثقيل ، وربما يجدر به أن يوزع أشياءه على صناديق أخرى ولو كانت فارغة إلى حين ، كنت أوشك أن أخبره ، بأن الصندوق الذي أحضره معي إلي المستشفى لا يعبر بالضرورة عن الصناديق التي أملكها ، كنت أوشك أن أخبره ، بأن عليه أن ينشغل بصناديقه بدلا من التحديق في صناديق الآخرين
كنت أوشك أن أخلع طاقية الطب التي ألبسها، وطاقية العمر التي تلبسني ، وألبس عمامة حكيم عجوز ، وأطلق لحية بيضاء ، وأخبره ، هو الذي يكبرني بأربعين سنة ، بأن ،تفكيره في كم هو بائس مقارنة بالآخرين سيجعله فقط ، أكثر بؤسا، بأن الحياة التي يعلم عن قصرها أكثر مما أعلم ، قصيرة
..
الخريطة الهرمية التي لم أصنعها بعد ، تترك الكثير من الأرانب تتقافز في ممرات المستشفى ، دون أن يراها أحد ، كما تفعل كل يوم ، لا أستطيع أن أفكر في مكان يليق بها ، تلك الأرانب الغير مرئية ، تلك الكائنات الشفافة بلا وزن، تلك الأرانب التي تكبر لتصبح صناديقا ! لا أستطيع أن أتخيل لها مكانا أفضل من الصناديق (الفارغة)

أتاوا
April 2010

الاثنين، 22 مارس 2010

النفق













يمشي في نفق حديدي طويل ، مصمت تماما ، الخطوط العمودية الدقيقة لتي كان يفترض بها أن تصبح علامات للطريق حينما تلتحم بين الحلقات الضخمة التي لن تكفي واحدة منها لمثل هذا النفق ، لا وجود لها . يظن أنه يمشي في الاتجاه الصحيح ، لن يعلم كم قطع من المسافة إلا حينما يضع قدمه المرتابة على الأرض بعد الفتحة التي لم تظهر بعد ، لكنه رأى في المنام رجلا أقسم بأنها في هذا الاتجاه. لا يعلم إن كانت الأرض بعد النفق عشبا ، أم صحراءا ، أم هاوية
أصداء أناس بعيدين توشوش في آذان الحديد لعنات على الحياة في الخارج، أصوات أظافر يائسة تحك جدران النفق كأنها تحاول الدخول ، يجزع قليلا ، ولكنه لا يعلم إذا كانت الحياة حينما يخرج من الجهة الأخرى تشبه الحياة خارج الجدران لأنه - مرة أخرى- لا يعلم كم سيقطع من المسافة. الأكيد أنها تخيفه الآن آكثر مما كانت تخيفه بعد أن دخل النفق بقليل ، لأنها الآن أقرب إلى مكان الخروج كما يتوقعه.
في منامٍ آخر رأى أن النفق بفتحة واحدة ، قام مفزوعاً وفكر في أنه ربما يجدر به أن لا يتعجل المشي ، ولا يفكر بالخروج ، ربما سيبدو المكان مختلفا لو التفت إلى جدرانه ، بدلا من النظر الدائم إلى ما يظنه الأمام
متعب
أتاوا
مارس ٢٠١٠

الثلاثاء، 16 فبراير 2010

القيمة العادلة للأسهم




"It is a far, far better thing to have a firm anchor in nonsense than to put out on the troubled seas of thought. "

J. K. Galbraith


اشتروه بثمن بخس ، ثم مالبثوا أن باعوه بثمن أرخص ،وكأي (سهم) محترم ، لم يتحدث عن قيمته العادلة لأحد، ترك المحللون يتحدثون عنه ، عن قيمته التي لا "يراها " أحد ، عن "ظلم" أن يباع ويشترى بهذه الأثمان. عن مستقبله الواعد ، واليوم المحتمل الذي يتداوله الناس فيه بقيمة تشبه قيمته الحقيقية.
فكرة القيمة العادلة مغرية ، يكفي أنها تنظر إلى ماوراء الأشياء ، لا تؤاخذ أحدا بجريرة الظروف الاقتصادية ، ونفسيات المتعاملين ، والقيمة الظاهرة . الأكثر إغراءا من هذا ، أن تصبح الأسهم بعقل ٍ يخصها ، تحدد قيمة عادلة لنفسها ، دون دلائل يتعرف المحللون عليها بسهولة . وقتها تتمازج الأشياء والقيم بصورة معقدة ، تجعل من الأسهم وجها بثلاثة أقنعة وبلا ملامح ، قناع كما يراه المحللون ، وقناع كما يرى نفسه ، وقناع كما هو على الحقيقة ، والأخير لا يصلح لأن يكون ملامحا بلا قناع ، لأن الحقيقة في النهاية مستحيلة، لاستحالة النظر إلى الأمر بلا عدسات ،قد يستطيع الناس التحايل عليها ومحاولة النظر بالدقة القصوى الممكنة ، ولكن لايستطيع أن يخلعها أحد، لا أحد يستطيع النظر إلى شيء بدون عدسة ، نحضرها معنا إلى العالم ، تلتصق بنا وننظر إلى كل شيء من خلالها ، ونقضي أعمارنا- إذا كنا نحاول أن نكون منصفين- في الاستماع إلى صفات الأشياء من خلال أوصاف الآخرين لها عن طريق عدساتهم . كي نتعرف إلي
"الحقيقة".

لا يستطيع أحد بأن يدعي بأنه يعرف ما اذا كانت قيمة السهم/او السهم الذي يملك عقلا هي كما يرى نفسه ، أم كما يراه من حوله ، أم هي الحقيقة التي لا يعرفها أحد ، ويدعي الجميع ضمنا بأنهم يعرفونها. السهم الذي يملك عقلا يتم تداوله بلا أرقام، والأثمان بدورها ، تختلف من بورصة إلى بورصة ، ومن عدسة إلى عدسة..
يقبع كسهم في بورصة لا تعرفه ، يخبره أهله في وطنه البعيد بأن قيمته العادلة أكثر مما يوحي به الخط المستقيم الذي يصنعه في الثلج ويعتقد بأن عدساتهم تضخمه كثيرا ، حينما يحدث أن يطلق أحد تلك الأوصاف التي تخبر الآخرين عن عدساتنا يقولون له بأن عدسته غير منصفة على الإطلاق ، وأحيانا بأنها منصفة أكثر مما يجب ، تشبه منحنى الانحراف المعياري الذي لا يهتم الآخرون كثيرا في أي طرفيه يهوي ، ولكنه يهتم ، على الأقل حتى يعرف هل يجب عليه الصعود أم التقهقر. حينما يحاول أن يعكس عدسته إلى الداخل ، يصدق كل العدسات التي تراه صغيرا، كتب في دفتره: " أفضل أن أكون سهما جيدا يبخس قيمته من يجهله على أن أكون سهما تافها ، يرفع قيمته الجهال عينهم، ويعرف المحللون بأن قيمته العادلة أرخص مما يعتقدون بكثير"
منذ ذلك اليوم لم يعد يفكر في قيمته العادلة ، رضي بقيمته السوقية ، ابتدأ المحللون أنفسهم يصدقونه ،الأعصاب الملتفة بهدوء على جدار شبكيته خلف العدسة ، تقرؤ الأشياء بموضوعية ، ولا تمد أيديها إلا بما يمكّنها من وضع الملفات على الرفوف في سكينة وتناول الأوراق ووضعها في الأدراج ، تجبرت فجأة ! توحشت كتنين لم يخبر أحدا يوما بأن أيديه الطويلة تخترق العدسات ، كزهرة تبتلع حشرة بلا مقدمات ، خرجت أيديها لتصنع الحقيقة ، التي لن يعرف من أين جاءت أحد.

صنع الحقيقة بنفسه ، وما انفك ينتظر محللا بلا عدسة ، وبلا شبكية ، لم يخلق مثله بعد

Ottawa
فبراير، ٢٠١٠

الأحد، 20 ديسمبر 2009

أبي



شنطة الحزن التي حملتها فوق ظهري ثلاثة أيام من مطار إلى مطار . كخفٍّ لا أريد أن أخلعه قبل أن أتوضأ بدموع أهلي بكل ما يستطيع جلد تجلدي أن يستحمله دون أن يتقشر عن عظام ذنوبي. عظام ذنوبي التي تسرطنت في داخلي حينما مات أبي بعيدا .
رفعت حاجبيّ المنهمكين على دفتر حياتي ، فجأة ، على خبر يجعل الدفتر بلا فائدة والانهماك ترف لا أدرك لماذا يستغرقني. أبي الذي انهكمت على ذلك الدفتر أسطر الأشياء فوقه دون أن أ أتذكر أن أفتح على الصفحة الأولى دوما . الصفحات الممتلئة المبعثرة في المنتصف استهلكتني ، انهمكت بها حتى أنسيت ما كتبه في إهداءه لي على الصفحة الأولى . مات في يوم مناوبتي ، وأنا أتنفس ، دون أن أعلم بين أي نفسين من أنفاسي فقد تنفسه ، مات وأنا أحاول أن أساعد غرباء لم ألتق بهم يوما من قبل.
حملت شنطتي إلى الرياض التي أصبحت تبعد مسافة ثلاثة عشر منديلا ، وساعات تتبعثر على خطوط طولٍ لم أعد أفكر كيف أحسبها ، كانت تشبه درجات سلمٍ يتمدد بالعرض على خارطة الأرض، أهبط عليه باتجاه عكسي ، فأحس وكأنني أهوي، كانت يداه تعاوناني على الصعود ، وأنزل اليوم وحدي ، مترنحا بكؤوس جرعنيها الدهر عنوة ، وليس ثمة أيدٍ أتكيء عليها
قال لي يوما ، لا أحد يتمنى أن يتفوق عليه أحد سوى ابنه ، أريدك أن تتفوق عليّ وسأفرح بك ، كنت أعتقد أنه يعرف كل شيء ،كل شيء قبل أن أسأله يوما ، من خلق الله يا أبي ؟ أخبرني بأنه لا يعرف ، ولكنه أيضا أخبرني أن لا أحد يعرف ، فبدأ عقلي الصغير من ساعتها ، يظن بأن أبي يعرف كل شي ء ، سوى الأشياء التي لا يعرفها أحد
شاربه الغليظ ونظارته التي يخرجها بدقة كي يقرأ الجريدة، رائحة سيارته ، ملامحه الجادة ، ابتسامته الساخرة . تخرج كل الذكريات ، على هيئة شهقة طويلة .شهقة لها أطراف حادة. شهقة لم تنته ، شهقة أتذكر بدايتها جيدا ، ولا أظن أنني سأتوقف عن سماعها يوما
تفقد الكتابة طعمها ، لم أستطع أن أمضغها لشهرين ، تترك الباب مفتوحا على مصراعيه لخياناتٍ كثيرة ، وفراغات أكثر، ربما يستطيع الشعر أن يبعثرها على رقعة أوسع. لا أرجو مما كتبت سوى دعوة صامتة من أجله
..



ورحلت يا أبتي
وتركت هذا الكون أضيق ما يكون
فطويت أشرعتي
وجئت إلى الرياض
تتقاذف الأمواج أشلائي
وأصرخ في سكون
..
ويمرغ الخبر الفجيع
خدود ذاكرتي الحزينة في التراب
كم مر منذ حديثنا المقطوع
بين مفازتين
كم مر .. منذ ولادتي
كم مر مذ أوصلتني يوما لباب حضانتي
كم مر .. منذ أن جبنا الملز بدراجتين
كم مر مذ أهديتَ أجنحة ً .. وطرتُ
وانشطرت نواة الذكريات
لعالمين
**
رحلتُ عن وطني
ليرحل عني اليوم الوطن
ودعتهُ
في متنِ طائرةٍ
وودعني على متن الكفن
**
سافرتُ
وشنطة الحزن الثقيلة فوق ظهري
لأيامٍ ثلاث
ولست أخلعها كخفٍّ كي أبالغ في الوضوء
بدمع أهلي
بالأسى الذي ينساب في خدي
كنهرٍ في هدوء
..
ورجعتُ
أحمل الذنب المؤرق
ومئات كلمات الوداع
مالم أقله
ولن أقول
ما تسرق السنوات منا
وترحل دون أن ندري
متى يوما تؤول
ولن تؤول
وسُرقت يا أبتي
بلا كلامٍ أو سلام
وأتتني الأخبار فاجعة ، مسافرة ً
كريح ٍ
تزلزل في العظام
كإعصارٍ يدور مزمجرا
قد جاء من أقصى الرياض
ليحط في كندا
وقد تعاظم في الطريق
ويهزني أبدا ،
ويبلع الأشياء والآمال
كالأوراق ِ
في صمت الحريق
**
ووصلت أرض مدينتي
عادت إليّ الذكريات بجيشها
وكل شيء ٍ صار يشبه فيك شيئا
أوجه الناس الذينَ لا يدرون عنك
ولا عن قلبي المخلوع شيئا
قارنت ودون أن أدري
بسنين عمرك
سنين العابرين
وعجبت من سكناتهم
وعجبت من صمت البنين
ورأيت وجه أخي
وتحرك السكين في قلبي
فجمدت حتى قد عجزت عن الكلام
وكان جل حديثنا
عينان تفتضحان ِ
ذلك الحزن المهذب في أحاديث الرجال
وأنا قد جئت زوبعة ً
تمشي كنسماتٍ
وتدعي فضل السكينة
وبي مالو أفلتّ من عيني
لانساب نهرٌ في المدينة
وتستقبلني على الباب
أكتاف والدتي
وكأنها وادٍ يذود عن المدينة
فأشقّ أوردتي
وأسكب في ذراعيها
آلامي ، وزوبعتي
وأفيض كالكأس الصموت
يلمّ زخات المطر
روحان تشتكيان أسواط القدر
وتفوح في الأجواء رائحة الممات
والحزن المعتّق تحت أتربة السفر
وترمقني أعين الباقين عطفا
كالكفوف الحانيات
كالرابتين على ظهور رجولتي
ولا رجولة في الممات
..
أفرغت أحمال ألفاظ العزاء
بلا كلام
وقد اكتفيتُ بلفظةٍ أو لفظتين
وتركت عينيّ ، تبوحُ بكل حزن الأصغرين
فلا لسانَ
ولا فؤادَ
ولا حتى يدين

بلّلت أقنعة السكينة والوقار
وتفيض ، بسد عينيّ المنيعة
نافورة الفقد الأليم
بلا اختيار
وأجاهد الماء اللعين
بقبضتي، من أجل إخوتي الصغار
فأنا قد جئت من أقصى الكون منكسرا
لأجبر .. ما يكون من انكسار
أي أحزانٍ تلك التي يلقي بها ملك الرحيل
أي أحزانٍ تلك التي يزرع الموت
المزلزل في القلوب
.. ماذا
ماذا أقول عنك
ماذا لا أستطيع بأن أقول
ماذا سأفعل حين أرجع بالشهادة
ماذا بربك دون أعناقٍ
سأفعل بالقلادة ؟
قد كنت تدفعني لأجري
قد كنت تدفعني لأعلو
وتقول لي دوما
بأنه يرضيك أن أعلو عليك
عد ، لتربت
أو لتقرص
فأنا أشتاق يا أبتي يديك
أشتاق لأن أقبل فوق أطراف الأصابع جبهتك
سامح صغيرك
وارض عني
كل كلمات الحنين التي خبأتهنّ
عدن وزلزلنّي
سامح الأمل الطويل
فما ظننت بأنه يغتال مني
والتذمر
والتفكر
والتمني
وبعدي وسفري ، واختلاجات الرحيل
وكل ما جافاك عنّي
**
وأعود
وأعود من وطني
كنائحة تولول في وقار
صرخاتها قدمي
وسمع الناس أروقة المطار
وأمتطي
ذلك الطائر الضخم الحزين
بلا ملامح أو عيون
متكوماً بجوار نافذة أحدق في السحاب
وأسرح للبعيد
وأرتب الأحزان في قلبي
لأبدأ من جديد
وأحط في كندا
أجر حقيبتين
وغربتين
ويسألني الموظف
إن حملت غير حقائبي
فأجيب : لا
لا شيء تقدر، مهما تحاول أن تراه
أب وفارقني
وأطنان ٌ من الكلمات
تبعثرت ، وتجمعت ،
وتناثرت ،
والريح تأبى أن تزفّ إلى ثراه
وحنجرة الوداع ، حبلين منقطعين
ما انفكيت أصلحها
وأتيت بها مفككة ومهملة
بلا حبال ، أو لسانٍ ،أو شفاه
**
ذكراه سكينٌ
وشراع قلبي يرفرف كالذبيح على السفينة
وإبحاري طويلٌ وقد ضاقت على همي
بحيرات المدينة
**
أفهكذا تنتهي الأشياء
أهكذا .. تبلع الأشياء
أمعاء الأبد ؟
دنياك زلزالٌ عظيم
لا يحس به
- ولو واسى-
أحد
..

متعب
أتاوا
ديسمبر 2009




الأحد، 25 أكتوبر 2009

السعودية و دارون و فرويد و الترف و الجرائد و التاريخ





تقتلني التعليقات التي أقرأها في مواقع الجرائد السعودية ! تقذفني قذفا إلى الهم العام !

السطحية اللذيذة ، التي يستلذ الجميع مضغها ، في عالم سريع ، لا ينتبه أحد لطعمها البلاستيكي ، الذي يشبه فطائر ماكدونالدز المجمدة ، التي تقوم من بياتها الجليدي لتستقر في دفء معدتك ، تسلم على لسانك بسرعة قد لا يلاحظها قبل أن تذهب إلى أمعائك لتنام من جديد .
كل شيء يتحرك بسرعة خاطفة ، خاطفة جدا . لا يبدو أن شيئا يستطيب الجلوس بما يكفي لتلاحظه أكثر ، لتشعر به أكثر .
خذ نفسا عميقا ، آغمض عينيك ، توقف عن القفز من "سطح" إلى "سطح" ودعني أتحدث إليك.
قبل عقود ، أو حتى قبل سنوات ، في صحراء تسكنها بيوت طينية متفرقة كأشجار الصبار ،كانت الأشياء بسيطة ، بسيطة جدا . بسيطة إلى حد يصعب أن نتخيله . أتخيل ثلاثينيا يدير المذياع ليسمع صوت شخص يحدثه عما يحدث في مكان آخر ، ويشعر بالزهو ، والاكتفاء ، والاطلاع الذي لا يعرف حدودا . يسمع خبرا عن حرب ما ، فيحتضن مركاه ، ويمد قدميه ، ويحدث أصحابه بما سمع ، يرتشفون القهوة ، ويمضغون التمر ، يتحدثون بلا انتهاء ، يغوصون إلى الحد الأدنى من العمق ، لا اقتناعا بأهمية التعمق ، والتحليل الجيد ، وإنما ثغور جائعة ، تتلقف قطعة صغيرة لا تسد شيئا من جوعهم ، فيمضغهونها ، ويمضغونها ، حتى يتيغر طعمها كل مرة .
وهكذا ، أتخيل أن كتابا ، مهتريء الأطراف ، يصبح صحراءا لا يمل اقتطاعها تنتقل من حافرٍ إلى حافر ، والصديق رغيف يومي، يتغير مذاقه كل يوم ، والسماء الممتدة ، مسرحا للتفكير والتأمل ، والتمحيص .

ستون سنة مرت ، تضخمت الأشياء بكل المعاني الممكنة للتضخم . تدفقت الأموال من كل النواحي ، أخبرني أبي أن قطعة أرض كان ينوي شرائها بأربعة آلاف ريال ، آصبحت بعد خمس سنوات تباع برقم يزهو بتسعة أصفار على يمينه . تضخمت البيوت ، أصبحت بأسوار عالية ، ثم أصبحت ترتفع فوق الأسوار بقطع حديدية لتبدو كقلاعٍ محصنة . الأطفال الذين كانوا يلعبون في الطرقة مع آخرين أصبحوا يلعبون داخل الأسوار . تضخمت الأجساد ، تضخمت الوصاية ، تضخمت الشوارع بالمطاعم ، وتضخمت البيوت بأجناس أخرى ، بشر يفترض بهم أنهم مثلنا ، اخترعنا لهم منزلة خاصة بهم ، نسخرهم لخدمتنا ، لم تعد امرأة تخرج لتقضي حاجة خارج البيت ، لم يعد أحدا يمشي من بيت إلى بيت ، الحياة اليومية تغيرت واعتراها ترف لذيذ ، يستلذ به أشخاص جربوا شظف العيش ، لم يعلموا يوما بأنهم يؤسسون لتغير اجتماعي جذري ، وبأنهم يلقون كل ما عاشوه من قبل في حاوية كبيرة اسمها التاريخ ، ليرمى من يفتش فيها بعد ذلك بالجنون والغرابة .
أتينا بأناس من دول أخرى بأجور رخيصة ليدرسونا ويربونا ، كنا طلابا وكنا في درجة أرفع منهم ، نظن بأننا أفضل ، فقط لأننا نملك أموالا أكثر ، لا أظن بأن دولا كثيرة عبر التاريخ مرت بتجربة مشابهه بل حتى نحن في زمان آخر كان المعلمون ، والمربون شيوخا أفاضل يملكون من الحكمة والاحترام ما لا يقارن باحترام مدرس مصري ، أو سوداني يمضغنا على كره ليقيم أوده . أية آثار يتركها مثل هذا على جيل كامل ، آثار الاتفاق الضمني بأن قدواتنا ومعلمونا ، مساكين . آثار استقطاب أناس من دول ٍ أخرى ليربون أولادنا على مضض . أصبح (العلم) مسكينا ، وأصبحت النقود تشتري الأسئلة والنجاح والحظوة . أصبح العمل أمرا كماليا تستطيع الالتفاف عليه . وتقضي حياتك الباقية تلتف على مخالفات المرور ، وقبول الجامعة ، والحصول على الوظيفة ، وعلى طوابير البنوك وحتى طوابير المطاعم . قفزنا على كل شيء بزنبركات من الأموال ، تجاوزنا كل شيء كل الخطوات التي جعلت أوروبا المظلمة تتبحر في العلم ، ثم تتبحر في البحث ، ثم تجني ثمار ذلك كله في عوائد ما تفتق عنه البحث ، امتلكنا ما يكفينا لنأتي بكل الثمار الطازجة ، كفلاح مع تقادم الزمن ينسى أن هناك شجرة للتفاح ، كل ما يعرفه عن التفاح أنه يستطيع بريالاته أن يحضر صندوقا من التفاح على ظهر هندي متقوس.

امتلكنا ما يكفي ، لنمارس الترف ، بكل أنواعه الرمزية والحقيقية ، ترف ديني ، يملكه علية القوم ونحسبهم والله حسيبهم الصفوة المختارة ، يرتدون عباءات مطرزة بخيوط صفراء ، يرتدون الأشمغة بدون عقال ، هكذا بدون أية سبب منطقي ، ترتدي شماغك دون عقال فتصبح في منزلة أخرى ، تحدث الناس عن الفضائل وتنهاهم عن كل ما تعتقد أنت أنه رذيلة ، هكذا فقط دون أن تستأذن أحدا ، تتحدث باسم الله مع الناس .
ترفٌ مالي يجعلك لا تتخيل كيف تكون حياة الآخرين بدونه ، تنسى كل شيء وتجعل من نفسك مسطرة تقيس الناس عليها. لا أنسى ذلك الصديق الذي كان يملك سيارة فارهة جدا ، ونحن على أعتاب المرحلة الثانوية ، كنت بجواره ، ومرت سيارة متهالكة ، يقودها مقيم عربي ، فأفصح الصديق عن قرفه من مثل هذه المناظر ، كان يتحدث جادا جدا عن وجوب أن تمنع الحكومة هذه السيارات ! حينما علقت بأنه قد لا يملك ما يشتري به غيرها ، أجاب بأنه متأكد تماما أنه يستطيع وأن عنده من الأموال ما الله به عليم ، وأنه يقدر ببساطة أن يشتري سيارة لائقة بدلا من الأموال التي يحولها إلى أهله في بلده !

هل صدمك ذلك المثال ؟ هل تعتقد بأن ذلك الصديق كان فجا وأحمقا ؟ فكر معي لحظة ، ماذا عن المليار مسلم في شتى أصقاع الأرض ؟ كيف نقيس حياتهم ؟ ومعاملاتهم ؟ وهيئاتهم الخارجية ؟ كيف ننظر إلى أم ٍ خمسينية جاءت تحمل هم أولادها فوق كتفها من قرية مسلمة صغيرة في اندونيسيا ، تمسح دموعها بأطراف الحجاب الذي جاءت تحمله من بلادها ، بكاءها مخادعة ، وتعبها كسل ، تتحرك في المنزل كشيء لا احترام له . كم نسبة السعوديين الذين سيحلفون أيمانا مغلظة آن مهما غلبتهم الحاجة لن تعمل أمهم أو بنتهم خادمة ، تلك الحاجة التي لم يعرفونها يوما . ترفنا أصبح مسطرتنا التي نحملها معنا إلى كل مكان ، ونقيس بها كل شيء .

يحق لنا ! ألسنا أفضل أمم الأرض ؟ لا نشك لحظة في ذلك ! كل ما تعلمناه في المدرسة يخبرنا بأننا الأفضل ، نحن الذين تمسكنا بديننا ، وبسنة نبينا ، ولم تقوض أركان إيماننا الخرافات والبدع ! حسنا ، أخرج من كل ماهو حولك ، ارتفع إلى السماء وانظر إلى كوكب الأرض من بعيد . هل يستقيم بحال أن أهل هذه البقعة الصغيرة هم أفضل أهل الأرض ؟؟ هذه البقعة التي لا تأمن على طفلك الصغير فيها من الخروج من باب المنزل دون حراسة ، تلك البقعة التي لا يغادر فيها طالب مقاعد الثانوية إلا وقد تعفنت أذناه من قذارة ما سمع ،تلك البقعة التي يستحيل فيها أن تمشي امرأة بالشارع وحدها آمنة مطمئنة ، تلك البقعة التي ينتشر فيها الفساد والرشوة والمفاضلة بغير التقوى والعنصرية ، والسرقات ، والكذب ، والنفاق . ككثير من البقع في أصقاع المعمورة .
ذلك الاعتقاد الراسخ ، الذي لا يقبل الزعزعة ، الذي يجعلك تقرأ الآن متضايقا ، فقط تخيل ، تخيل أنه خاطيء . تخيل أنه كذبة كبيرة بحجم لا يمكن أن تتخيله ، كذبة رضعتها في كل يوم منذ أن ولدت ، فقط من أجل التغيير ، وقليل من الترف الفكري الذي لم نجربه من قبل ، تخيل . امنح نفسك دقائقا لتبحر في عالم آخر ، أخرج خارج نفسك ، وخارج بلدك ، وتفرج عليها .

تخيل لو كنا ، أمة كأية أمة أخرى ، نعتز بما نعتقد ونظنه الصواب الأوحد بالضبط كما يعتقد الآخرون . تخيل أن الآخرون يظننونا على ظلال ، لكنهم أكثر أدبا منا ، فلا يقومون بسبنا من على منابرهم .
لا أفهم مالذي يجعل اعتقاداتنا الراسخة سبيلنا إلى كره الآخرين ومعاداتهم ، يبدو وكأن الأمر سلاحٌ ذو حديين . معتقد النصارى الذي أؤمن أنا وتؤمن أنت أنه محرف ، أتخيل أن به ثغرات كثيرة ومنفرات لا تجعل منه مصدرا للفخر والتأكد الحتمي من فداحة مسلك الأمم الأخرى . ديننا الجميل ، المكتمل ، المعجز ، الذي كان سيحلق بنا عاليا لو انشغلنا به عن غيره ، جعلنا نفكر بانتقاص للآخر لا تطيقه الثقافات الأخرى ، جعلنا نعتقد بأننا مستهدفين طوال الوقت ، انشغلنا بالدفاع عنه من السكون في كنفه ، بالضبط كمن يملك بيتا فارها ، ويقضي كل وقته في الشارع ليحرسه ويذب عنه ، ذلك البيت الكبير الذي يسكن به خلق لا يحصون ، يتفرغ الكثيرون ليحرسون أبوابه ، يرشقون المارين بالحجارة ، ثم يعودون إلى داخل البيت ليفزعوا سكانه ، ليقرعوهم على الدعة والسكينة ، ليخبروهم كيف يجدر بهم أن ينظفوا حجراتهم ، ثم فجأة ينسى الناس عن ماذا دافعوا ، ثم يبدأ البعض برمي حجارة دون سبب غير أن الجميع يرشقها ، يبدآ البعض بالدفاع عن الشارع ، ثم يدافع عن شجرة في الشارع لا أحد يعلم ما إذا كانت تخص البيت أم آنها تطفلت عليه .
بيتنا الجميل ، جعلنا نظن أن الآخرين يفنون حياتهم لينفذوا إليه ، نعاديهم ونكرههم ونتحدث عن عدم احتياجنا إليهم وعن وجوب مقاطعتهم . نتحدث بمايكروفونات يصنعونها ونقود سيارات يصنعونها ونكتب بأقلام يصنعونها ، ونلبس أحذية يصنعونها ، ونتوج على رؤوسنا أشمغة من صنعهم ! ثم نتحدث عن مقاطعتهم ! كم نشبه ذلك الطالب الغبي في آخر الصف الذي يكره كل المدرسين ، ويرى ان الرياضيات ترهات لا يحتاجها ، والأدب صعب ، والعلوم تعقيد . يقضي الحصة الأخيرة يتحدث عن أبيه الذي لايحترمه لأنه لا يستمع له جيدا ، يقول له صديقه إذن لماذا لا تستمع أنت الآن جيدا للمدرس ؟ يفتح عينيه على آخرها وكأن الصديق تفوه بأحمق كلامٍ يمكن أن يسمعه ، ثم ينعت الصديق بالغباء لأنه لا يفهمه. يتمتم بجمل سريعة متحدثا عن غباء الصديق وغباء المدرس ، وغباء أبيه ! يخرج بعد الحصة السابعة بسيارة اشتراها أبوه له وبذل من أجلها (شكرا ) عجوله منذ سنتين . تلك السيارة التي لو اشتراها المدرس ستأتي على (شقى عمره ) .
تخيل معي أن الكرة الأرضية رقعة كبيرة ممتدة ، وتخيل معي أن الدول مزارع . كل المزارع بها من يعمل ، ومن يقتات على جهد من يعملون ، ومن يسرق من الأشجار ومن يطرد بعيدا عنها . مزرعتنا ، صناديق من الفاكهة تخرجها شجرة سوداء عظيمة لا نعلم عنها الكثير ، هناك أشجار صغيرة متفرقة هنا وهناك ، وحينما قلت الفاكهة نسي الناس كيف يزرعون ، لم يتعلموا يوما كيف يزرعون ، لم يشاركهم أحد في صناديقهم ، وحينما يسرقون . يسرقون من الصناديق لا من الأشجار . هناك أيضا أيادٍ ناعمة ، لم يتعود أحد رؤية مثلها في المزارع المجاورة تمتلك الكثير من الفاكهة ،حيث أن مثل هذه الأيادي هناك ، معروقة وخشنة وقد عانت من حرث الأرض ماعانت .

جميل أن نملك فاكهتنا بأقصر الطرق . لكن المهم ، المهم جدا جدا ، أن نحاول ردم هذه الهوة التي قفزناها ، أن ننزع الزنبركات ونمشي على الأرض ، وإن لم نستطع نزعها ، فلا أقل من أن ننظر الى الأرض ، نفكر جيدا ، ندرك ما تجاوزناه وكيف يمكن أن نعوض ذلك . صنعنا جغرافية بقمم ناتئة بينها حفر هائلة ، نقفز بينها بما نملك ، المشكلة تخيل ما سيحصل بدون هذه الإمكانية للقفز ، كم سنسقط ؟ وكم سنتألم ؟ وكيف نعاود النهوض بأقدامنا العارية ؟قصتنا تشبه كثيرا قصة الأرنب والسلحفاة ، آه فقط لو فكر الأرنب كالسلحفاة ، تخيل فقط أين يمكن أن يصل !

ابتدأنا من الأعلى ، من السطح ، أصبح كل شيء على السطح ، يجتاحنا طوفان معلومات ، لا يمكن أن نتعامل معه دون أن نقفز من سطح إلى آخر ، أقل محاولة للنفاذ إلى العمق ولو ببضعة مليمترات توصف بأنها عميقة جدا . نكتفي من الأشياء بمظاهرها ، اللحية خلق كريم ،صورة مقطعية للدماغ ، مبهرة الدقة بحيث تخبرك عن تفكير الشخص المستقيم ، وسلامة طويته وطيب نيته ،وطول ثوبك أهم بمراحل من سعة عقلك ، والعباءة هيبة واحترام ، والغطاء للمرأة احتشام ، والنقاب درجة أقل ، والحجاب تفسخ ، ومسطرتنا هي ذاتها نقيس بها سيدات في أعمار أمهاتنا من دول أخرى نخاطبهن كمراهقات نزقات فقط لأنها زجت بنفسها في ذلك التصنيف الشكلي ونحن لا نريد أن نفكر لست ثوانٍ ونصف .
العالم كله يعاني من السطحية ، الوصفة السريعة لطبخ المتغيرات ، وكلما ازداد أناس في التعمق في شيء ، تبدو سطحيته أكثر فضحا ً . مشكلتنا أننا لا نعرف أنها سطحية ، نظن أننا لمسنا القاع وأدركنا كل شيء ، نكذب الذي يصور لنا شعبا مرجانية من عمق البحر لأننا ألقينا نظرة على السطح ونستطيع أن نحلف بأن لا وجود لشعب مرجانية هناك . نملك قائمة ممتازة ، ممتازة جدا ، لا ينفذ منها شيء ، للاتهامات المعلبة ، جاهزة تماما نتناولها من أقرب رف في خزانة عقولنا المتواضعة ، لا نكلف أنفسنا حتى إحضار شيء من مستودع الذاكرة ومخازن التاريخ . الذي يدعو للتفكيرمتفلسفٌ يقدم العقل على النقل ونحن قوم نقدم النقل على العقل وننسى كل الآيات التي تتحدث عن التفكر والتبصر والتعقل .والذي يتحث عن الدين بعقال ، علماني لا يفقه شيئا ، والذي يأتي على ذكر المرأة من بعيد ، متبع للشهوات داع للتحرر والسفور . والذي ينتقد شخصا عليه مظاهر الالتزام ، عميل ، يهاجم الدين برمته !
لو كان الرسول بيننا ، يتحدث مع جاره اليهودي ، أو كانت عائشة تتحدث مع الرجال بيننا ، أو امرأة سعفاء الخدين ترفع صوتها بين الرجال ، لا أدري ماكان سيفعل المتحمسون بهم ، أتحرق شوقا لمعرفة الأوصاف التي ستطلق عليهم !
إذن سطحيتنا ، مع كل هذا الكره العنيف ، لأي رأي أعمق ، وأي ملاحظة نقدية ، مصيبة لا تعدلها مصيبة !
نفسر كل ما يجري حولنا بأسوأ ما يمكن من الظن ، نهاجم الأشخاص ونترك الأفكار ، حينما يتحدث أحد عن آن تجلس المرأة في كرسي أمامه مقود لتحرك تلك العربة الحديدية من مكان إلى مكان ، نتحدث عن بناته وعن دياثته وفحشه ، وحينما يظهر وزير متواضع بما يكفي ليرتدي زي طباخ ويعمل نادلا في مطعم ، نتحث عن بيته الذي يجدر به أن يسعوده قبل أن يسعود الوظائف ، وحينما يحدثنا أحد عن شيء لا يروقنا ، قبل حتى أن نخرج مسطرتنا المعيبة لنقيس ماقال ، نرميه بأصله ، وبعرضه ، وبدينه .
نرفض التغيير بطريقة كهربائية منتفضة ، قبل أن نفكر قليلا بعد سنوات من القفز على السطح ونقبل . المذياع، السيارة ، التلفاز ، الصحون الفضائية التي كانت ترمى بالبنادق من بعضهم قبل أن يبدؤون بتركيبها بالمفكات في بيوت الآخرين ، الجوالات ، الجرائد ، الكتب . حتى فرع مطاعم ماكدونالدز الأول في الرياض ، وعلب الكوكا كولا اليهودية ، كل شيء ، كل شيء .
نجلد ذاتنا كمهووس بكره نفسه ، ومما يدعو للسخرية أنني هنا ، أجلد الذات منتقدا جلد الذات ، أنتقد النقد ، أدرك تماما غباء من يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، لكنني أرى أن الجلد لغرض الجلد مختلفٌ تماما عن التقريع لشيء يمكن تغييره . نقد الفكر يختلف عن نقد المسلك ، والتصرفات وعن نقد العموميات ، كتخاذلنا عن نصرة الإسلام ! حسنا قلي بربك ماذا أفعل للقضية الفلسطينية ! مدرسون لا أحصيهم ، ومقالات لا أعدها ، وبرامج لا أتابعها تقلدني كل يوم قلادة الشعور بالذنب لذنب لم أقترفه ، التجار الفلسطينيون الذين كانوا سواعد لياسر عرفات ، وهذا الأخير الذي مات عن ثروة هائلة ، هائلة جدا لا أعلم من أين جاءت ، توزعت وخزات ذنوبهم على الجميع ورقدوا هانئين ، الفلسطينيون يتقاتلون فيما بينهم ، ومما أصابني بالدهشة اللا معقولة ما قرآته يوما عن جنود من فصيلة فسطينية لجؤوا إلى إسرائيل احتماءا بها من الفصيلة الأخرى !! وفي ذات الوقت يملؤ الضجيج برامجنا عن تقاعس العرب ، وتخلي العرب ، وجبن العرب !
الأوصاف التي توزع بسخاء عن تخلفنا ، وغباءنا ، والغرب المقدس ، وشعورنا الفظيع بالنقص الذي نستعمل معه كل الحيل النفسية الممكنة التي تجعلنا متغطرسين وغير عابئين . حفرة نقصنا التي لم نفكر يوما بردمها ، رملة رملة ، كل ما نفكر به ، كيف نلتف على هذا النقص ، كما التففنا على كل شيء ، كما قفزنا حفرة العمل الدؤوب ، وحفرة التعليم ، وحفرة الوظيفة ، وحفر المخالفات ، وحفر الطوابير ، نمني أنفسنا بقفزة مفاجئة ، حرب ضرووس يعلي فيها الله كلمة الحق والذين آمنوا ونقلب كل شيء بسرعة وننتصر فجأة ! ننسى العمل ونحشد كل جهودنا في نشاطات ، عاطفية نفسية أدبية ، لتخفيف شعورنا بالذنب ، نقول أن الزمان أغبر ، ولا شيء يمكن عمله سوى الدعاء ، وبدل أن ندعي ليرفعنا الله ، ندعوا على الآخرين بأن يخسف الله بهم ، بأن يدمرهم ، فجأة ! حتى نصبح فوقهم دون أن نغير من مكاننا قيد شعرة ، نكتب عن تخلفنا وتخلف العرب جميعا، نقرعهم ، ونقرع أنفسنا حتى حين ، عل الله أن يخرج من ظهورهم صلاح الدين، بعد أن فقدنا الأمل في أنفسنا ، حيل ضعيفة مكشوفة وواضحة ، لا يتحرج أحد من استخدامها لأن الملايين حوله يستخدمونها ، بودي أن أعرف ماذا كان شعور الإمام الأول الذي خرج ليدعي على الناس بالتدمير والفناء ، أتخيل أن ذلك حصل في فترة مشحونة بالعواطف والشعور بالظلم ، استغرب القليلون ولكن عاطفتهم غلبت ، عملت الخطة بالضبط كما تخيل ،عاد إلى بيته مطمئنا فقد وكل الله بهمه والانتقام له . نسي أن الله عز وجل يقول ( وقل اعملوا) ، اعملوا . لا أدري لماذا لا يجلس في منزله ويطلب من الله الرزق ، لماذا لا يطلب من الله أن يلقي القرآن في صدره بدل التعب في الحفظ والمراجعة ، ربما كان السبب معرفته بالنتائج المباشرة والبسيطة للعمل الذي يأتي بالرزق ، والمراجعة التي يتطلبها الحفظ ، ومعرفته الأخرى ناقصة ، لكنه يستطيع ببساطة أن يعمم جهله على الناس . بالضبط مثلما حصل حينما خرج شيخ معرووف إلى باريس ، وامتدح ما رأى . رأيه بعد أن ذهب غير رأيه ما قبل ذلك ، لذلك ربما يتوجب علينا جميعا أن ننتظر أن يسافر أوصياءنا ، واحدا واحدا ، ويقرؤون كتبا ، حتى يصدرون مراسيم رضاهم عن ما لا نستطيع بعقولنا الضعيفة وديننا الرقيق أن ندركه .
حسنا ، لنفترض أن الله استجاب لدعائنا ، وخرج صلاح الدين ، و"كسر الدنيا" ، وانتصرنا على الجميع انتصارا ساحقا ماحقا ! لنفرض أنهم اختفوا من الأرض فجأة ، الجميع اختفى وبقينا نحن .
الوقت صباحا ، مساء الأمس دمر الله الكافرين جميعهم ، واختفي كل أهل البدع والظلال ، ولم يبق سوى أهل السنة والجماعة ؟كيف ستذهب إلى عملك ؟ بالسيارة ؟ والوقود الذي تستخدمه بها من يكرره ؟ من يصنع الأحهزة التي تستخرجه ؟ السيارة ذاتها ، من سيصنع مثلها بعد عشر سنوات ؟ من يحضر لها قطع الغيار ؟
ماذا يفعل آلاف المرضى في المستشفيات ؟من أين يحصلون على الدواء ؟ كيف تعمل أجهزة الأشعة ؟ وأجهزة الجراحة ؟ الأنابيب الداخلة والخارجة ؟ كيف تبني بيتا ؟كيف تستخدم الكهرباء ؟ من أين تآتي بالإضاءة ؟ كيف تحفظ أطعمتك دون ثلاجات ؟ كيف تطبخ ؟ كيف تصنع جهاز كمبيوتر ؟ كيف تسافر بالطائرة ؟
حسنا لنفترض أن الله مسحهم من الأرض وبقيت مصانعهم ودور أبحاثهم وكل ما صنعوا جاهزا لا ستخدامنا . من سيعمل بالمصنع ؟ من سيكمل البحث ؟ من سيخترع الدواء ؟ ويكمل المسيرة في خصائص الضوء ؟ من سيكمل تلك الزراعة الأساسية والمتعمقة التي لا يربطنا بها شيئا سوى ما نحصد من ثمارها . من فكر يوما في الخطوات التي مرت بها صناعة السيارة مثلا ؟ المحرك ؟ الناقل ؟ ضخ الوقود ؟ من الذي اكتشفت المحرك أولا ؟ ومن الذي كتشف الكهرباء أولا ؟ ومن الذي اكتشف الوقود أولا ؟ ملايين بل بلايين الأوراق كتبت ، ونوقشت ، وبلايين التجارب أجريت على مدى عقود . هل يعقل أن كل هذا لا شيء ؟ كيف يعقل أن نقفز كل هذا ؟
نظرية دارون ، كفر وسخافة ، يلغيها كلها شخص لا يعلم عنها شيئا بجرة قلم ، فرويد يهودي منحرف لا يتحدث إلا عن الجنس، يصلب على أعمدة كتاب لم يقرؤوا له حرفا واحدا ، الفلسفة ، كلام لا طائل منه ، يفضي إلى الشك ، ويخل بالعقيدة . كتب دارون لها ألف وجه غير وجه القرد الذي نعرفه ، وفرويد غير فكر البشرية جمعاء حينما اكتشف اللاوعي ، والفلسفة أساس العلم ، ولولا أن أفضت إلى المنهج التجريبي ، لما ابتلعت حتى تلك الحبة الصغيرة حينما تشعر بالصداع ، ناهيك عن جميع ما أتى به العلم في العصر الحديث.
الرغبات الصبيانية بالنصر المفاجيء ، مضحكة وتختلف مع نواميس الحياة ونواميس الدين ، وما قال الله عز وجل ، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا .
أنا لا أتحدث عن رأي ضد رأي ، إطلاقا ، أنا أتحدث عن طريقة تكوين الرأي ، الحجة خلفه ، احترام ال(بني آدم ) الذي يخبرك عن رأيه ، عن الثغرات المنطقية التي نقع بها زرافات ووحدانا ، عن التحرر من قضية أن العالم بأكمله مشغول بك ، ويريد القضاء على دينك وشرفك. أن تدافع عن رأيك منطقيا ، م ن ط ق ي ا ! أن تصادق العقل ، بدل أن تعاديه ، أن ترغب في الرفعة بدل أن تتمنى أن يهبط الآخرون . أن تفكر قليلا ، لست ثوانٍ ونصف !

الطالب الغبي في آخر الفصل ، أرهقني كثيرا ، أريد أن أستمع إلى المدرس ، أرجوك ، تقبل وجود عقل آخر - على أسوأ الفروض- كعقلك . المهم أنه عقل آخر .
يا صديقي الذي لم أنتقيه بمحض إرادتي ، أنا لم أطلب منك ( إضافة) شيء أنا أطلب منك فقط آن تخلصني من محاولاتك ل(إزالة) ما أفعل . أتفهم أن الآمور لا تعجبك وتستطيع أن تغادر . أرجوك دعني أستمع ، أنا متأكد تماما ، أنني لو انتظرت دورة حياتك الكاملة ستعرف في آخر المطاف أنك كنت على خطأ . المشكلة أننا في نفس العمر ، وأنا لا استطيع ان انتظر عمري كاملا . عجوزين، في فصل متهدم ، أنت تخبرني أنني كنت على حق وأنك نادم ، وأنا أخبرك -بتفهمي الذي عودتك عليه - بأنك ربما كنت على حق لأن الفصل تهدم !


متعب
اتاوا ٢٢ اكتوبر ٢٠٠٩