Monday, 16 January, 2012

في وصف كلمة واحدة: لعبة (بزل) من أربع قطع !






"تحبس أنفاسك وأنت تهوي على منحدر الوجع، تعود فيما يشبه دائرة لتراجع الموقف،ثم تنطوي على نفسك ،محتميا بتحليلك الذهني للموقف،وكأنّه مظلة تحميك من مشاعرك، تنشر شراع "الكاف" فوق ظهر مشاعرك المتقوس لتمعن في الاحتماء. تتجه بعدها بعينين دامعتين إلى السماء،كمبتهلٍ يزم شفاهه ويفتح بوابة أجفانه المغلقة ويقدم "بياضه" كتسوية أخيرة، وربما اتجهت إلى هناك غاضباً كرجل أزعجه بلل المطر فاتّجه إلى مصدره لينهي المسألة،تصعد، تصعد، كراكب أفعوانية يحسّ بالإثارة في أذنيه. تهدأ بعد أن تدرك بأنك لن تخرق الجبال طولا، تنزل بعدها، تدريجيا، كمُحاربٍ عائد، (يتمخطر) بلا اكتراث وقد جرّ سهمه الذي لم يستخدمه ليخط أثرا في التراب، تعود أدقّ مما كنت، قد انطبقت أوداجك الغاضبة المنتفخة على بعضها، تملّ من هذا النزول التدريجي المهين، تقفز بعدها على السطر لتتكيء عليه، في سكون و دعة.ك (همزة) بين الكتف والرقبة. يستمر ما تحس به في النحول، حتى يتلاشى. "


كيف بربكم يمكن للوحة المفاتيح أن تنقل شيئا من هذا .. ؟ .


نص كهذا يبعث على الراحة، هي كلمة واحدة فقط، من أربعة أحرف ، ولكنني لم أحتج للتخلي عن شيء طرأ على بالي بشأنها، لم أضطر للفّ معانٍ مهمة بورق أبيض لدسها تحت مراتب الكلمات، هذا النص يشبه مباراة من ثلاثين ثانية تهندس فيها انتقال الكرة بشكل سلس يبعث على الرضا،بدلا من ركل الكرة بالكعب دون اكتراث في مباراة لا تنتهي. يشبه ما فعله (ايريك كاندل) الحائز على نوبل حينما قضى وقته يفتش عن قلق حلزونة صغيرة في خلاياها التي يستطيع أن يعدها، ويحصي التشابكات العصبية التي يمكن له أن يحيط بها. الحروف الأربعة هنا تشبه لعبة (بزل) بأربعة قطع فقط، ترتبها مرتاحا، حينما تصف أي قطعة من هذه القطع الأربع يعلم الناس عن ماذا تتحدث بالضبط!


لكم أودّ لو كانت كل خيوط الأفكار تنسلّ من قلمٍ يدور كبكرة لثانيتين ويتوقف. لو كانت كل سلاسل الأفكار توضع في صناديق نصوص واضحة المعالم كهذا، الحياة مليئة بلعب (بزل) من مائة قطعة، وألف قطعة، ومليون قطعة! وحتى حينما ينبسط مزاجك بما يكفي لبسط هذه القطع على الأرض، ستنشغل بمحاولات لوضعها في مجموعات رباعية صغيرة ، محاولات لا علاقة لها باللعبة الأصلية على الإطلاق، فقط لكي لا تلعبها وحيدا! لأنها لعبة توشك أن تكون بلا معنى حينما تلعبها وحدك !


هذا النص يبعث في داخلي شعورا غريبا. مبتسما، أحضرت هذه القطع الأربعة، فردتها هنا، وللمرة الأولى، أحس بأنني سألعب! كطفل ينهض من الزاوية،يحمل لعبته ويتجه إلى رفاقه بحماس بعد أن وجد طريقة يخبرهم بها بأن اللعبة التي كان يلعبها هناك، في الزاوية، ليست مملة وغبية وغامضة كما كان يبدو!


عزيزي القارئ: لو تكرمت، إقرأ هذا النص جيدا!



أتاوا

يناير-٢٠١٢

Saturday, 24 December, 2011

كريسمس سعودي في كندا، بطاولتين





تتجاهلني المدينة ، دون أن تقصد. تغلق جميع الأبواب. أقف خارجها لأفكر كيف يشعر الغرباء في يوم عيدنا في الرياض.

أغازل أطراف مشهد الكريسمس بعبارات لا أعرف ماذا تعني بالضبط ، يقولونها لي وأمضعها لألقمها لهم مجددا خالية من كلمة الكريسمس ليرضى ذلك الطفل الذي علموه بأنه لا تجوز معايدة أهل الكتاب بأعيادهم. "أيام مقدسة مباركة" ، أو كما سأدعي لو حاجّني أحد ، إجازة سعيدة. أعابث الأطراف ولا أتوغل في المشهد. أسمع العبارات باهتة من الداخل البعيد، وأظن جازما بأنهم يسمعون عباراتي المبتسمة باهتة بعيدة من رجل يتفرج عليهم دون أن يدلف الى الداخل.

الليلة ليلة الكريسمس. تطفئ المدينة أنوار الشوارع.تلمها، مصباحا مصباحا، لتخبئها في البيوت. كأصابع جدتي حينما تعبث بالسجادة، وتلم وبَرَها في لحظات سهوها أثناء حديثٍ هاتفي، تلمّها من المنتصف، وتوزعها على الأطراف. تتخبؤ الأنوار في الأطراف قادمة من المنتصف كتَلٍّ تبعثره ريح عاتية يصفق لها الناس، يتهيؤون لقدومها، ينتظرونها بشوق. وتقف أنت أيها الغريب هناك، لا تصفق لشيء، تبارك لهم قدوم الريح، و لا يهمك من الموضوع سوى ذلك التل الذي اختفى فجأة وتركك في صحراء موحشة.

تهيم باحثا عن قهوة لم تغلق أبوابها. عن مكان مضاء كشجرة. عن لسان يلعق بكلماته غبار وحشتك.عن طريق. تبحث عن وطنك الذي مر عيده الذي يعنيك وانتهى ، تود أن “تحتفل” معه بيوم عادي ، تفتش عنه على أوجه الشاشات الملساء، تفكر أنه كلما زادت هذه الشاشات نقاوة كلما أرعبتك تفاصيل وجهه ذلك الذي حسبته جميلا حينما رأيته بشاشات قديمة. تبحث عن نفسك بين الوطن الذي لا يعنيك، ويستثنيك من الفرح، والوطن الذي يعنيك، ويبعثك على الحزن. تفكر في خطأ أن تفكر في أن العشب على الجهة الأخرى أكثر اخضرارا. وتود أن تحلف - للائميك المحتملين، المصطفين في زاوية عقلك كهيئة محلفين- بأنك لم تنتبه حتى لدرجة اللون، أنت فقط مشغول بإيجاد تربة خصبة تصلح للزراعة، لتلوم نفسك بعدها على كل قشة عشب صفراء، إن لم تفلح في زراعة عشب أخضر كما ينبغي. كرجل يقف على طاولتين ظنهما متلاصقتين كطاولة واحدة، كلما نظر إلى الأسفل وتعلم أكثر عن تفاصيل الاختلاف، كلما زحفتا الطاولتان عن بعضهما ، يتصرف خط المنتصف بينهما كعملاقٍ ضَجِرْ، لسنوات وهما تتحركان بخفية. تتمدد رجلاك بزاوية منفرجة، تشعر بأنك قد اقتربت جداً من اللحظة التي ستحتاج بها أن ترمي بثقلك كله في أحد الاتجاهين. تتذكر ما قرأته يوما لكاتب إيطالي يحدّث بأن أباه دوما ماكان يقول له بأن الذي يجلس بين كرسيين ، يسقط بينهما. لم يقل شيئا عن الذي "يقف على طاولتين"، هل ستكون سقطته موجعة أكثر، أم سيتمكن من التحكم بها واتقائها بصورة أفضل؟.

رحل أبي قبل سنتين دون أن يخبرني ما الذي سيحصل حينما أقف على طاولتين. ترك الطاولة اليمنى، التي كثيرا ما ألتفت إليها فأجد جالسا هنا قد غادرها، وجالسا يتذمر منها هناك ، وجالسا يسرقها،وجالسا يتكيء بكفيه عليها ويسترق النظر ليغادر، ومجموعة من الجلوس يعالجون مساميرها وقواعدها، كأنهم سيأخذونها في حقيبة ويرحلون. أخشاب الطاولة اللامعة على اليسار، تجذبني الآن، لكنني أعلم أنني سأشتاق للطاولة اليمنى، التي أشتاق إليها الآن وأنا على مسافة ساقٍ مشدودة .

سأتساءل كثيرا،وأنا أمتليء بالحنين ليوم ابتسم فيه ، وأتمتم: قد آن لي الآن أن "أثني" رجليّ.



متعب

أتاوا-

٢٤- ديسمبر-٢٠١١


Tuesday, 22 November, 2011

كرات في الهواء، وعداء، وبائع ذرة !




الحقيقة أنني تعبت. تعبت كثيرا. كرات سعادتهم التي تندفع من زنبركات يدي، أصبحت أكثر مما أستطيع أن أحمل. أفكر، في أن أرحل. وهي ما زالت في الهواء، أوجه ظهري نحوها، وأمضي في طريقي، كبهلوان، قرر في لحظة أن يغير وظيفته.

الحقيقة أنه ليس ثمة زنبركات في يدي، وأنني كنت أكذب طوال الوقت. الطفل الذي كنته، حينما كان مراهقا، في ليلة كسولة ما، قال لي ، هل تستطيع أن تسعد شخصا عندما تكبر ؟ قلت له: نعم ، بالتأكيد. قال لي: هل يمكنك أن تسعد شخصين إذن. قلت له أظن، ضحك ساخرا، وماانفك يذكر رقما أكبر في كل مرة، وأنا ازداد شكا، وفي مرحلة ما في المنتصف، قال رقما ، لا أذكره بالضبط، لكنني أدركت أن النقاش أصبح سخيفا، وتوقفت عن الرد. لم يتوقف هو عن الحديث إن كنت أتذكر جيدا، تجاهلته ، وأكملت صنع الدوائر في دفتر كنت قد كتبت على غلافه "دفتر خرابيش" ، أذكر، وقد أكون مخطئا هنا أيضا، أن آخر ماقاله ، كان هل تستطيع، بذمتك، أن تسعد كل من تقابله؟

رمى تلك الجملة، كبقعة حبر هندي ، على ثوب عقلي الأبيض. وما فتئت بعدها، أحمَل نفسي، كرات سعادة كثيرة، أتفنن في القاءها في الهواء، وأحتضنها في طريقها الى الأرض، لكنني الآن أود أن أرحل، أن أتوقف، عملت تقريبا، كل المعجزات التي يمكنني عملها. يداي منهكتان.و عيناي تؤلمانني، وأفكر في أن أتحول إلى كرة.

كعداء، تتغير ملامح وجهه فجأة في منتصف المضمار، يتوقف، يغير الاتجاه الذي يحدق به، يلتفت حتى لا يعيق العدائين الآخرين، يتحول فجأة إلى بائع ذرة وجد نفسه داخل المضمار، يخرج من الخطوط المنحنية المنظمة، يخلع حذاءه، ويذهب ليعيش.


اتاوا

نوفمبر ٢٠١١

Sunday, 13 March, 2011

الفتنة النائمة



عزيزتي الفتنة،

يقولون أنك نائمة. أقف على حافة سريرك،أراك تكومين أطرافك بوضع لا يصلح للنوم، أتطلع الى رقبتك الملتوية، نومك بهذه الطريقة المفجعة ينذر بكارثة حينما تصحين!. أحاول أن أتحدث معك بصوت خفيض، قبل أن يشعر أحدهم بأنني أحاول إيقاظك فيلعنني. هم يريدونك أن تصحين مفزوعة على صراخ، وجلبة، وقتل. ماذا لو استمتعت إلي، أحدثك بلطف، فتفتحين عينيك، تنظرين الى الحاضرين، تهزين رأسك في رضا يدل على أنه لا بأس في أن يقفوا إلى جانب بعضهم، تلتفتين إلى يسارك، ويمينهم، تقطبين حاجبيك في اتجاه الواقفين هناك، مشيرة إلى أنه لا بأس من أن يتضايق الناس ممن يتسلط عليهم، ويسرق أموالهم، وأنك عادلة، تغضبين بحزم، وعقل، وأنك لن تصرخين كالمسعورة، وتنفثين النار كتنّين في كل مكان.

نومك بهذه الطريقة يوحي بأنك لم تخلدي إلى النوم مختارة، وأن أحدهم، لسبب ما، حاول (إخمادك) كما يقول هو قاصدا أنك كنت نارا تستعر لسوء في ذاتها هي، أو حاول (إخمادك) كما تُخمد الطلقة جسد أرنب، الأرنب، الذي يرسله "صياد" كسول قبل أن يلحقه بطلقاته. السؤال الذي يجدر به، أن يشغل الناس الآن قبل أن يتشاغلوا بنومك، وصحوك، هو: مالذي أتى بك هنا على أية حال؟ إن كان الحق، واضحا، والشر واضحا، مالذي جعلك منذ تاريخ قديم لا يعرفه أحد، تنامين كمتسلل يستلقي على حدود تفصل بين بلدين مختلفين، ويرقبه الجميع بخوف. لا يفكر أحد بأن ينغزه ولو فعلوا لربما اكتشفوا بأنه خيال مآته.

هناك من يهمه أن نخاف منك. هناك من يضع صور العمائم بين أوجه الغاضبين، ليشعرنا بأنك مجنونة تتحدث حتى وهي نائمة فماذا لو صحت. عزيزتي الفتنة، تحدثي! أتعلمين سكوتك هذا هو بالضبط ما يجعل الجميع يعتقد أنك لا تتكلمين دون أن تحدثين كارثة، فكما أستطيع استخدام سكوتك كدليل على نومك المفتعل، ووجودك الكاذب، يستخدمونه ليثبتون أنه ما إن يتحرك جفنيك صعودا حتى يبدأ العالم بالاحتراق. يظنونك جبارا نائما، وأظنك دمية محشوة بالقطن، إذ لا رقبة لشيء من دم ولحم،يصحى وينام، تنعكف بهذه الطريقة. أظنك لا تتحركين بلا أياد تقرص قماشك ، تعريفك يقتضي بأنك من صنع الناس،لا كيانا قائما بذاته، ومع ذلك يتحدثون عنك كقوة تأتي من مكان غريب، ككائن خرافي، كبركان خامد، يتفجر حينما يوقظه شقي ملعون.

عزيزتي الفتنة، سواء كنتِ نائمة، أو دمية مستلقية، لا أظن أن تركك بهذه الوضعية المزعجة يخدم أحدا سوى الواقفين على يميننا ويسارك. ربما تفيقين على صراخ يسد الأفق، وربما تستلقين هناك إلى الأبد، تقرص قماشك المهتريء البشع أياد مختلفة تخيف بك البلاد والعباد. منذ أول يد وضعتك كحديث ضعيف، ولم يتساءل أحد لماذا يوضع مثل هذا الحديث على الرسول. على أية حال لا يجدر بي أن أطيل الوقوف هنا، سأذهب قبل أن يلعنونني.*

* في حديث ضعيف: " الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها"

أتاوا-

مارس ٢٠١١
















Saturday, 5 March, 2011

أية احتمالات تنتظرك حينما تدس كف اللغة في قبعة عقلك


أريد أن أكتب.

شيء يشبه الحمى يهبط علي. يجعلني أرتعش، أشعر بالدوار، وأوشك على السقوط إلى حفرة سحيقة. لا أستطيع أن أتعامل معه بأي طريقة. سوى أن أفتح نافذة جهازي. أمد أصابع يدي الاثنتين فوق لوحة المفاتيح دون أن تلمسها، وكأنني أمارس سحرا لا أتذكر أين تعلمته ، تهبط أصابعي مرتعشة في البداية، تمر الدقائق، تبدؤ ألوان الأفكار في الانسياب ، لونا، لونا، في كأس يمتلئ بمياه القلق. تغمض المياه عينيها ، دون أن يراها أحد، تمد قدميها، يبدؤ صداعها بالاختفاء، تلقي بثقلها على الألوان وكأنها تسبح فوقها، في علاقة غريبة لا تتكرر كثيرا، جسد المياه القلق، يسبح فوق الألوان التي ظنت أنها تسبح فوق الماء. علاقة تشبه أن تكتشف أن البحر يحتاجك حتى يسبح فوقك بعد أن ظننت أنه لا يحتاج أحدا.

لسبب ما، بعتقد الناس أن البحر بإمكانه أن يتحمل أي شئ، وأنه لا يريد شيئا على الاطلاق. يحمل سفينة هنا، ويسليَ أطفالا هناك، ويصنع مساكنا لبضعة مليارات من الأحياء، ويستقبل أطنانا من القمامة دون أن يشتكي. يهدر، ولا يعرف أحد ماذا يقول، يرسل أمواجه لتلعق أرجل المارة دون أن يلتفت منهم أحد. تعود تلك الرسل جميعها، مطأطئة ً رؤوسها تفسح المجال لرسل آخرين لا يفلح منهم أحد. وحينما "يبلغ السيل الزبى"، يرسل أمواجا غاضبة، قد تلفت انتباه الناس، ،ولكن ليس ثمة أحد يستطيع أن يفهم ، ماذا يريد البحر أن يقول. أية وحدة أشد من هذه ؟؟

أسلي نفسي بتذكر وحدة البحر حينما أتذكر وحدتي. أنا الذي لا أعرف كيف أرسل أمواجا غاضبة، ولا أريد لها أن تلعق شيئا أو يلعقها شيء، أن يسبح فيها أحد، أو تسبح فوق أحد. لا أملك سوى اللغة،هي الموج، وهي الريح، أحاول أن أنفخها بعيدا في عرض البحر الواسع بعيدا عن الشاطيء، كما يفعل البحر متذرعا بحيتانٍ لا تملك لغة لتفند ادعاءات البحر، ولا موجا لتغضب. لا أملك سوى ثمانية وعشرين قطعة، بسبب معجزة عظيمة جدا يسمونها اللغة، تستطيع أن ترصف هذه القطع بجانب بعضها في وحدات صغيرة، لتصنع ما يعتقد البعض بأنه سبعة ملايين وحدة، ثم تختار من هذه الوحدات ما ترصفه، وحدة ،وحدة، إلى جانب بعضها في تركيبات معقدة، مختلفة، لتجعل الأعين التي تمر فوقها، تضحك، تبكي، تغيّر حياتها،تتعلم ،تنمو، تنحرف،تغضب، تنشرح،تشعر بالاشمئزاز، تستمتع،تؤمن، وتكفر.

أية احتمالات تنتظرك حينما تدس كف اللغة في قبعة عقلك!

اذا كانت القراءة تنقلك من عالم إلى عالمٍ فالكتابة تخلق لك هذا العالم. الخيار بعدها يعود إليك. تستطيع أن تخلق عالما لا يراه سواك. كسرداب سري، يقود إلى مدينة ضخمة مجهولة. لا يملك مفاتيح أبوابه غيرك. تستطيع أن تختلي مثلا ، بالأباجورة التي صنعتها ، تتأملها، دون أن تعكر أذنيك ملاحظة تتعلق بالإسطوانة في طرف الغرفة لتكتشف أن الحديث كان عن الأباجورة. تستطيع أن تتنفس على راحتك في المكان، ربما تغير أثاثه من وقت لآخر، تصنع نجما يشبه الشمس، لكن إضاءته ناعمة، ويضيء على الأشياء التي تلتفت إليه، تخلق قمرا ثمانيَ الأضلاع، وورقة صفراء بدل السماء تخط فوقها حكمة ما، تتغير كل يوم. يمشي الناس على ثلاثة أطراف حتى يضطرون إلى التمهل. يختار البشر أوقات موتهم، وحينما يعبُر طاعنٌ في السن بين أناس يصغرونه يتهامسون عليه، يتندرون على عدم مقدرته على اتخاذ القرار، كما يتندر بشر العالم الحقيقي على عدم مقدرته في الفراش.

تصنع عالما يتبادل فيه التفكير والعواطف الأدوار، تتخذ قرارا فينصحك أحدهم بأن لا تندفع في أفكارك، ويدعوك لأن تحاول أن تترك العنان لمشاعرك قليلا، أو عالما تتحول فيه الرغبات المكبوته، أو الغرائز، إلى الأنا، ويتحول الأنا- بأفكاره الواعية ووظائفه المنطقية- إلى دافعك الأساسي، وحينما تعبر عن فكرة متحمسة، تحتاج لأن تناقشها مع غريزتك، عن طريق الأنا (الأسفل). تغير شيئا واحدا صغيرا، وتبقي كل شي آخر في مكانه، فتحصل على عالم مختلف، هذه الفكرة التي قد تبدو غريبة عندما تصنع عالما جديدا، موجودة في عالمنا الذي نعرفه، في تركيبات الجينات المعقدة، يتغير شيء صغير في مكان ما، فتتغير المحصلة النهائية تماما على الرغم من أن الأشياء الأخرى في مكانها. ترمي عود ثقاب في غابة، فتحولها إلى صحراء وأخشاب محترقة، تستبدل حرفا هجائيا بآخر، فتصنع لغة جديدة لا يتحدثها أحد وملايين الكلمات، تخطو فوق نملة لم تتزاوج بعد فتقطع نسلها حتى نهاية العالم، تحرق نفسك، فيهرب رئيسي دولتين، ويموت المئات، وتصنع التاريخ. كل هذه الأشياء الممكنة فيزيائيا، تحدث، ونصدق أنها تغير كل شيء بعد أن نراها بأعيننا، لكن ماذا عن الأشياء الغير ممكنة فيزيائيا؟

بالكتابة، وبالكتابة وحدها ،تصنع عالما، يرسل الله فيه إلى الأرض ملائكته، ليقضوا بين الناس، في محاكمات علنية، يتضح بعدها كل شيء! أو تصنع عالما ، تُكتب فيه أفكار الناس على جباههم، أو عالم يستطيع فيه الناس أن يقتلوا بعضهم بلا تبعات، وتتفرج علي ما يمكن أن يحصل، أو عالم يستطيع كل فرد فيه أن يعود طفلا إذا رغب، دون ذاكرته، أو عالم، كالذي صنعه جوزيه ساراماغو، يصاب جميع الناس فيه بالعمى، ماعدا شخص واحد.

تنفخ في عرض البحر، وتتمدد على فُرِش سردابك. تصنع كل هذا دون أن تطبع منه بضعة آلاف نسخة، كل واحدة منها صورة لما رأيت، تحاول أن تحاكيه، ولكن ليس تماما، تراها بأيدي الناس في الشارع، تتغير الصورة، تصنع منها كل عين مختلفة صورة مختلفة، ثم تحاسبك على هذه الصورة المتخيلة. يدس الناس أنوفهم في أنفاسك. يتسكع غرباء لا تعرفهم في أزقة مخك الضيقة.

هذه هي قضيتي، باختصار، أعشق الكتابة، وأخشى أن أصنع مجسما لمخي، تعبث به الأيدي، ويصنع صلصال أعينهم مجسمات يظنونها تشبهه، وفجأة أجده وقد أصبح لا يشبهني في شيء، تتناقله أيدي الكبار، ويتسكع داخله الصغار.

كرسامٍ تمتليء غرفة الرسم خاصته بألواح نصف بيضاء لرسمات بدأها ولا يعرف ما يصنع بها حينما تنتهي. أجلس على مقعد المرسم، أفكر ، بدلا من التفكير في الرسمة، فيما يمكن أن أفعل من أجلها حينما تكتمل، أخشى أن أخيب أملها. لا أريد أن أتعامل معها بطريقة عملية، أو اقتصادية، لا أريد التفكير في البحث عن مكان لها بعد أن تنتهي، عدم انتهائها يمنحني عذرا جيدا لكي أبقيها، تتكيء على خشبتين، تتصلان في الأعلى ، تتهامسان بشأن هذه اللوحة التي لا ترحل، الإتكاء بهذه الطريقة المائلة دائما ما يوحي برحيل قريب. أفكر في الخشبتين، في كم من الزمن سيتحملان في وضعية الوقوف المرهقة هذه.

أنهض من مقعدي ، أتأمل الألواح البيضاء، وأفكر طويلا، أي مصيرٍ ينتظرها بعد عشرين سنة.


متعب

أتاوا

مارس ٢٠١١






Sunday, 20 February, 2011

من مقعد في آخر قاعة المتفرجين، في الزاوية العليا على اليمين






من مقعدٍ في آخر قاعة المتفرجين. في الزاوية العليا على اليمين. أتفرج على مسرحية غريبة، أسميها مسرحية ليس لأن هناك من يمثّل على المسرح، طاقمها صادق بدرجة مربكة، فقط لأنني لا أملك كلمة أخرى تعبر عن مشهد درامي، بضوء يتسلط على شخص ما، قبل أن يسدل الستار، وكلمة تستطيع أن تعبر عن خليط المتفرجين الذين يستقبلون ما يشاهدون بانطباعات مختلفة جدا. تلك المسرحية أبطالها كثيرون. لكل فصل بطل واحد، يملؤ المسرح، ويشغل الناس، حتى لتظن أن ألسنتهم ستلهج بذكرة ردحا طويلا من الزمن. وفجأة، يختفي، لا أستطيع أن أقول بلا مقدمات، لكن بالمقارنة بحضوره السابق الطويل لا تملك إلا أن تحس بأنه اختفى فجأة.

لم يخبرني أحد عن هذه المسرحية، التي أحضرها مجبرا ، لا أعلم من هم أبطالها، حتى أراهم. لا توجد أية إعلانات تخبرك عن بطل الفصل القادم. كل فصل له لهجته الخاصة، إضاءته الخاصة، بل حتى متفرجيه الخاصين، عند بداية كل فصل، يتقدم بعض المتفرجين من الخلف إلى الكراسي الأمامية، ويتبرع الجالسون في الأمام بمقاعدهم عائدين إلى الخلف، يحملون رؤوسا أثقل مما كانت حينما جلسوا هناك. القادمون إلى المقاعد الأمامية يحملون معهم أحيانا لوحات بلاستيكية شفافة مضحكة لابد أنهم أحضروها بسرعه وهم يهرعون للمكان، يرفعونها عاليا، ليرى الناس المسرحية من خلالها. ترى بعض الرقاب في الخلف تلتلف لتتجنب المشهد المشوه وترى المشهد على حقيقته، الغريب أن بعض الرقاب في الزوايا التي تمكنها من تجنب اللوحات، كانت تلتف حتى تستطيع أن ترى المشهد مشوها!

النجاح المدوي للفصل الأول، والفصل الثاني، أربك المتفرجين الذين امتزجت دهشتهم البالغة، بالترقب لكل هذه الإثارة لمسرحية يصلح كل فصل من فصولها ليكون مسرحية ملحمية. الطاقم خلف الكواليس أصبح مثارا تماما. بدأ ترتيب الفصول يختل.انقسم المسرح لثلاثة فصول مختلفة، كلها يستخدم صيحات المتفرجين وكأنها تخصه وحده، ابتدأ الحماس بضخ (الأدرينالين) في العروق. أصبح الناس يرددون عبارات الفصل الأول والثاني، لا يبدو أن أحدا يريد أن يصنع مشهده الخاص، كيف يمكن لمشهد جديد، أيا كان، أن يحصل على نجاح مشابه.

نسبة النجاح الكاملة حتى الآن. مغرية جدا، قد تستمر الفصول حتى لا يبقى أي بطل ليمثل فصلا جديدا. ويرحل كل المتفرجين بعد أن شاركوا في الفصل الذي يخصهم. مثل ذلك الذي حصل في المسرحية الشرق أوروبية.

أرى الهرج وأفكر من مقعدي على الزاوية في محمود درويش، وأتخيل شكل (الباتشينو) في تاجر البندقية، وأسمعه يقول:

"أما (للغبيّ)كما لليهوديّ

في تاجر البندقية،

قلبٌ، وخبزٌُ

وعينان تغرورقان.."


أفكر من مقعدي على الزاوية، متى سيأتي الفصل الذي يخصّني، لم يعلمني أحد كيف أقف على المسرح من قبل ولا أظن رفاق جيلي الذين شاركوني مقاعد الدراسة يختلفون عني كثيرا في هذا الأمر. أنا لم أخطط يوما لأقف على مسرحٍ من أي نوع، المتفرجين الذين تسلقوا عتبات المسرح فاتحين صدورهم لكل ما يمكن أن يأتي، هل كانوا على مقاعدهم يخططون لمثل هذه الفرصة أم أن المسرحية الغريبة، التي تستهلك كل تركيزك فلا تلتفت، تستحق مسرحاً غريباً، مسرحا، يظن كل جالسٍ فيه ، أنه يجلس على مقعده في آخر قاعة المتفرجين، في الزاوية العليا على اليمين، يتفرج على مسرحية غريبة.


متعب
أتاوا،
٢٠ فبراير ٢٠١١

*Photo by: Brian Henningsen

Saturday, 24 July, 2010

السخافة المكتملة المرتبة ، والآسئلة الناقصة العشوائية

























فكر طويلا ،قبل أن يتنهد : آه كل هذه الأسئلة اللا مجابة

!

ربما كانت معضلته في توهم وجود إجابات لها ، فيتخيل أن المشكلة في أنه لم يعثر عليها بعد ، كيف يمكنه أن يكون بهذه السطحية ؟ أو ربما هو ليس كذلك ؟

ماذا عن السعداء في الأرض ؟ هل هم نتاج أسئلة عميقة أمكن لها أن يجدوا لها إجابات مرضية ؟ أم هم أناس لم يتساءلوا يوما عن شيء ، مضوا في طريقهم دون أن يحملوا الأمور أكثر مما تحتمل ، تجاهلوا كل هذه الأشياء التي يحاول هو أن يغرق داخلها .

هل يتعاملون مع تلك التساؤلات التي يحملها كطير ٍ يطير فوق تجمعات للمياه ، فيحط على طرف من أطرافها دون أن تبتل قدميه ، ولأنه علي الحافة ، لا يعلم شيئا عن العمق الذي يمكن أن تصل إليه المياه ، يصل إليها ويرحل ، وهو يعتقد أنها مستنقع صغير ، استطاع أن يتذوق مياهه ، ويمضي ليخبر الجميع بطعم تلك المياه ، وما يعلمه عنها ، وتجربته هناك . يصدقه الجميع.

يصدقونه لأن الغارقين داخل المياه ليسوا هناك ليفندوا مزاعمه ، ولو كان أحدهم في الجوار سيكون مشغولا بما يكفي لكي لا يتمكن من الحديث مع طير صغير لا يعلم شيئا .

فينتهي الحال بذلك الطير ، وقد رضي عن نفسه ، يتحرك من بقعة إلى أخرى ، يطوي الأفق سريعا ، بلا تعقيدات ، ولا أسئله

كيف يمكن بحال من الأحوال أن يقارن ذلك الطير ، بنفسه ، هو الذي كان حينما يريد آن يعابث أمه التي تشعر بالدوار حينما يتحرك أحد أمامها كثيرا ،يمشي على الأطراف الأربعة للسجادة في خطوط مستقيمة بدلا من المشي العشوائي ، فقط كي تصبح سخافته مكتملة ، ومرتبة . كيف يتعامل مع شيء أهم من السخافة بقليل ، على الأقل بالنسبة له : حياته

سؤاله المهم ، لا ، ربما أهم أسئلته على الإطلاق : كيف يتحرك في مثل ذلك المكان ؟

هل يلمس المياه سريعا ويرحل ؟ أم يحاول أن يلمس قاع كل بئر قبل أن يمضي في طريقه ؟ هل يحاول أن يفعل الأمرين بأسرع ما يمكنه ؟ أم أنه يحتاج للتركيز على بئر بعينه ، ويغوص فيه إلى الحد الأقصى الممكن ؟

ربما كل ما في الأمر أنه يتوجب عليه أن يتجاهل كل تلك المياه على الأرض وينظر للسماء حيث يمكن أن تكون قد تكونت ، أو ربما يبحث عن نهر قريب ؟ أو أن الإجابة تكمن في اختبار التربة بجانب المياه ، ليعرف ما الذي يصنع مستنقعا ، ومالذي يصنع بئرا ، وما الذي يجعل التربة لا تحمل شيء ؟ هل التربة تحت الماء أفضل أم التربة العارية ، ربما ستفكر الطيور ، وكل تلك الكائنات على حواف المياه بأن التربة تحت الماء أفضل ، لكن التربة العارية ربما كانت كريمة بما يكفي لأن تسمح للماء بالنفاذ ، لم تصد دونه أبوابا يتجمع على مداخلها . ربما حين يفك رموز ذلك يستطيع أن يصنع بركة صغيرة ،يكون أكثر تواضعا من أن يسميها بئرا ، ويرجو ألا يظنها أحد مستنقعا ، قبل أن يفعل ذلك ، لابد أن يتقن المشي على خيط دقيق، يوازنه جيدا بين أن يكون بخيلا بما يكفي لصد الماء وتجميعه ، وذكيا بما يكفي ليقنع الجميع بكرمه.

ربما كان أسهل الحلول أن يجلس على طرف تجمع ما ، ويراقب الطيور التي تحط هناك ، والتي تغرق قليلا ، والتي تغرق أكثر ، ويحتار لنفسه موضعا يتناسب مع" المعدل " ، ويجعل من التصرف الطبيعي ، مبدأً إحصائيا ، يسبح مع التيار ، ويستمتع بذلك الدفء الذي تمنحه الأكتاف المتزاحمة على المنتصف.

ربما كان الحل أن يمشي متنزها ، مستمتعا ، وكأن الماء لا يعنيه في شيء ، وكأنه لا يوجد هناك أي علاقة محتملة بينه وبن الماء ، ينظر أي التجمعات تحيط بها طيور كثيرة ، يتفحص ملامح الطيور في الأماكن المختلفة ، وأين هي التجمعات المزدحمة

يراقب الناس ، والطيور ، يثمن قفزة شجاعة هنا ، وغوصة عميقة هناك ، يبتسم بإعجاب ، ويسجل ملاحظات أخرى عن غباء بعض اللمسات الجبانة ، وتلك التي تقف على الحواف ، يفكر في الكيفية التي يفعلون كل ذلك بها ، ويفكر كيف يمكن أن يفعل أشياء مشابهة بطريقة مختلفة ، يرى عينات متعددة من الأشياء هنا وهناك ، ليكون فكرة أوضح عما يجدر به أن يفعله - يوما ما -

يجرب أن يغوص قليلا ، في بئر، لينسى أنه جربه بعد فترة من الزمن ، يفكر في أنه يجدر به أن يجد بعض الوقت ليعمل خريطة للتجمعات المختلفة ، وطريقة يوضح بها ما قام به حتى الآن ، وما يجب عليه أن يقوم به فيما بعد ، كيف يصبح أكثر فعالية

كاد أن ينسى ، هل يجب عليه أن يجد رفيق سفر ؟ على الأقل ، أحد ما ، ينتظره على الحواف حتى يعود ، فقد يعود مبتلا ، وقد يشعر بالبرد ،ربما يحتاج حبلا من وقت لآخر ، يفكر : يكفيه جمهور من شخص واحد ، لا يشرب من الأطراف، ولا يطير سريعا من مستنقع إلى آخر، كل الغواصين لهم قوارب تنتظرهم ، وقصص الغوص ستكون أدفأ كثيرا لو خبزها اللسان في وقتها ، والأيدي المنتصرة ، المتجهة الي السماء ، تستطيع استعمال كتفين في طريق عودتها، وحبات اللؤلؤ سيسرهاأن تنتظم في عقد لرقبة تثمنها .

يحمل أسئلته في قارورة صغيرة ، ليشرب منها في طريق العودة ، وتتسلق قربة ماء على ظهره، ويمضي.


أتاوا

يوليو - ٢٠١٠



Saturday, 29 May, 2010

لحاف أفريقي على طرف السرير

















أفريقي أسمر ، غائر العينين ، يتخصص في الإعلام ، يصلح لأن يعمل انقلابا على (موقابي) الذي عمر طويلا في زيمبابوي ، نحيل بما يكفي لأن يرفرف رداء المستشفى الأزرق حوله كشرشف تداعبه الريح على غصن شجرة ، جلس خائفا ، وتحدث خائفا قبل أن يبتسم قائلا : " ماذا تظنين ؟ " حينما سألته الطبيبة التي تقابله : هل تخشى أن تموت والدتك ؟

ابتسامة حملها كل ما يملك من السخرية ، ابتسم كثيرا للفروقات بين المجتمع الكندي الجديد الذي تعرف عليه قبل أسابيع ومجتمعه الأفريقي ، ابتسم حينما رأى عمود الحريق الأصفر على الرصيف الذي لم يره من قبل سوى في الأفلام ، استغرب حينما سألوه في الاختبار الذي أجراه بعد أسبوعين من قدومه عن فريق السيناتورز الشهير ، ولم يعرفه ، لم يعرف حتى ماذا يعنون برياضة الهوكي، تحرج من أصابعه التي تتحرك أصبعا أصبعا فوق لوحة المفاتيح حينما قارنها بأصابعهم التي تتقافز فوقها . ابتسم حينما حصل على بطاقة عبور الحافلة ، واستخدمها في قضاء اليوم كاملا من حافلة إلى حافلة دون أن يعرف إلى أين تتجه ، لاشيء يهم ما دام سيستخدم البطاقة للعودة من حيث أتى

ابتسم كثيرا ، قبل أن تكشر الحياة عن أنيابها ، غرق أخاه الصغير في زيمبابوي بعد أسبوعين من وصوله ، وبعدها بأيام ماتت ابنة أخيه بمرض داهمها ، وبعدها بأسابيع مات عمه ، وجاءت القشة الأخيرة حينما مات صديقه في حادث سيارة قبل أسبوع. تساءل عما يفعله هنا ؟ ولماذا أتى ؟ قالوا له أهله هناك بأن ينسى كل شيء ويركز على دراسته ، تلك التي دفعت كل قريته من ،أجلها الكثير ، كان يقرأ فلا يتذكر ، ويذهب إلي الجامعة محملا بحقائب من كل نوع ، يتحدث بلسانه الجديد الذي كان يدربه منذ سنوات طويلة لمثل هذا اليوم.

كان طالبا نجيبا ، عمل أبيه مديرا لمدرسة ، وحينما كان لا يخرج ليبيع الحلوى للأطفال في الشارع ، كان يذهب إلى المكتبة ، ويقرأ كل شيء ، أحس الجميع بنبوغه ، وقال أنهم عملوا كل شيء ليأتي إلى كندا ، على كتفيه حقائب ثقيلة من الآمال ، ألقى بها كل من يعرفه هناك شيئا ، حينما كان في بلده كان للحقيبة أيد ٍ وعجلات ، كانت تدفعه إلى الأمام ، قبل أن يسافر ولم يعد يملك سوى يديه لكن أحدا لم يتوقف عن إرسال الدعوات والآمال بلا أيد ولا عجلات

صار كل شيء أثقل من أن يحمله ، وخرج الى النهر لينهي كل شيء ، قبل أن يأتي إلى المستشفى يطلب المساعدة ، منحوه رداءا أزرقا ، وسريرا أبيضا ، وضع على طرفه لحافا ملونا من بلاده أحضره معه . يتحدث للناس عن بلده التي لا يعرفونها، عن الآمال التي يحملها ، عن ابنة أخيه الصغيره ، عن أخيه ، عن عمه ، وصديقه ، عن عائلته الكبيرة ، عن أمه التي أصبح يخشى عليها بعد أن تتالت الحوادث عليه ، يرى فيها سببا لوجوده هنا حتى يمنحها حياة أفضل ، وحينما تحدث عن قلقه عليها ، سألوه عما إذا كان يخشى أن تموت . ابتسم ، لسخافة السؤال ، ابتسم للقدرة التي يملكها الناس هنا لوضع المشاعر في عبارات معلبة ، تسأل عن الحقائق ، تجعل من البؤس اكتئابا ، وتجعل من الحزن على الأموات كلمة لم أعثر على ترجمة عربية لها بعد

انتشلوه من حزنه بطوق نجاة بلاستيكي جاهز للاستعمال مع الغرقى جميعهم ، ربما كان يتمنى أن تنتشله كف أمه التي لا يقدر أن يراها ، ربما كان يتمنى أن ينتشله غضن شجرة كان يمر بها غير عابيء في قريته ، ربما كان يتمنى حضنا دافئا ليجف سريعا بدل أن يتركوه ليجف وحيدا في البرد ،ربما كان يحلم في الليل بابتسامات سمراء ، وطبول أفريقية ، وملابس مزركشة وشعور خشنة ، وأقدام عاريه سوداء أطرافها صفراء من التراب ، ويصحو على سرير أبيض ، وابتسامات بيضاء كان يرى مثلها في الأفلام.


اتاوا

مايو ٢٠١٠

Saturday, 17 April, 2010

صناديق وأرانب ....


















لا أعرف ما الذي يزعجني أكثر ، الأشياء التي لا أملك لها صناديقا ، أم الصناديق التي لا أملك لها أشياءا. فكرة تكديس صناديق فارغة تبدو أكثر إغراءا الآن من أي وقت مضى ، الأفكار التي لا تنتهي ، تلك التي كنت أظن أنني سأجد صندوقا يحويها ، تتحول إلى صناديق ، واستحال ملؤها إلى مهمة مستحيلة لا تنتهي


أفضل ما يمكن فعله الآن وضع خريطة هرمية للصناديق ، واختراع أبعادٍ أخرى تخصني ، غير الطول والعرض ، والوزن طبعا. مهمة شاقة أخرى ، لكنني إذا استطعت فعلها دون قطع صناديق كثيرة إلى قطعتين لكي أستطيع أن أضعها في مكانين مختلفين في نفس الوقت ، إذا استطعت فعل ذلك ، سأتمكن من مد قدمي على الكنبة الطويلة ، واصطياد الأفكارفكرة ، فكرة ، ومن ثم أستطيع أن أكورها ، وأرمي بها في الصندوق المناسب.

وقتها ستتلهف الأشياء على الصناديق لترتمي في أحضانها ، وتتلهف الصناديق على الأشياء ، وقتها أستطيع أن أترك الأفكار تتوالد كأرانب دون أن أفكر في الأقفاص التي ستحويها . وقتها ، أستطيع - كما فعلت صباح اليوم - أن أكوي بنطالي الرمادي في خمس دقائق ، وأفكرباسما في كم من الدقائق سأوفر لو كنت أقصر بخمسة إنشات

وقتها، سأستطيع أن أخرج خفيفا للركض بجوار النهر ، أفتح فمي لأشرب المطر كما كنت أفعل في بيت جدي قبل عقدين من الزمن ،وقتها سأغسل الأطباق كست بيت محترمة ، لا كخادمة تريد أن تنتهي من عملها ، بأسرع ما يمكن ، سأستطيع أن أترك الشاي يغلي مع الحبق لعشر دقائق كاملة ، وقتها سأتناول كتابا عشوائيا من مكتبتي لأقرأه قبل أن أنام ، وأقهقه على كل النكت بالغة الظرف ، وبالغة السخافة اللذيذة ، ولن أهتم في أي صندوق ستنام تلك الليلة ، كل الصناديق تستطيع استعمال القليل من السخرية


وقتها ، لن أمنع نفسي من الاستطراد في التفكير في اختلافات البشر ، حينما قال لي المريض الذي رأيته في الخامسة مساء هذا اليوم ،بأنني محظوظ ، لأنني سأذهب لأتناول عشاءا شهيا في بيتي مع أهلي بينما يقطن هو في المستشفى ، وجاوبته باسما بأنني مناوب لأربع وعشرين ساعة اليوم ، كنت أوشك أن أخبره ، بأنني رأيت مريضا آخر قبل سنة ، بحالة أخطر من حالته ، قال لي في نفس الوقت من المساء ، وهو يحدق بي وأنا أكتب شيئا من أجله : " ألا يجدر بك أن تكون على كرسي مطعم ما في الهواء الطلق ، في مثل هذا الجو الجميل " ؟

كنت أوشك أن أخبره ، بأنني لن أتناول عشاءا شهيا اليوم ، وأن زوجته الباسمة الى جواره تصنع له بيتا في عينيها ، لا أدرك لماذا لا يستطيع أن يراه، كنت أوشك أن أخبره ، بأنني حتى أتناول عشاءا شهيا في بيتي مع أهلي يلزمني أن أقطع سبعة آلاف ميل ، وأقلب صفحات التقويم صفحتين ، وأدفع ثلاثة أضعاف ما سيدفعه هو للجهاز الذي يساعده على النوم ، ولم يرد أن يشتريه بنقوده

كنت أوشك أن أخبره ، بأن صندوقه الوحيد الذي يكدس به الأشياء و يقارن به كل صناديق المارة التي يتخيلها على حقيقة غير حقيقتها ، ثقيل ، وربما يجدر به أن يوزع أشياءه على صناديق أخرى ولو كانت فارغة إلى حين ، كنت أوشك أن أخبره ، بأن الصندوق الذي أحضره معي إلي المستشفى لا يعبر بالضرورة عن الصناديق التي أملكها ، كنت أوشك أن أخبره ، بأن عليه أن ينشغل بصناديقه بدلا من التحديق في صناديق الآخرين

كنت أوشك أن أخلع طاقية الطب التي ألبسها، وطاقية العمر التي تلبسني ، وألبس عمامة حكيم عجوز ، وأطلق لحية بيضاء ، وأخبره ، هو الذي يكبرني بأربعين سنة ، بأن ،تفكيره في كم هو بائس مقارنة بالآخرين سيجعله فقط ، أكثر بؤسا، بأن الحياة التي يعلم عن قصرها أكثر مما أعلم ، قصيرة

..

الخريطة الهرمية التي لم أصنعها بعد ، تترك الكثير من الأرانب تتقافز في ممرات المستشفى ، دون أن يراها أحد ، كما تفعل كل يوم ، لا أستطيع أن أفكر في مكان يليق بها ، تلك الأرانب الغير مرئية ، تلك الكائنات الشفافة بلا وزن، تلك الأرانب التي تكبر لتصبح صناديقا ! لا أستطيع أن أتخيل لها مكانا أفضل من الصناديق (الفارغة)


أتاوا
April 2010

Monday, 22 March, 2010

النفق













يمشي في نفق حديدي طويل ، مصمت تماما ، الخطوط العمودية الدقيقة لتي كان يفترض بها أن تصبح علامات للطريق حينما تلتحم بين الحلقات الضخمة التي لن تكفي واحدة منها لمثل هذا النفق ، لا وجود لها . يظن أنه يمشي في الاتجاه الصحيح ، لن يعلم كم قطع من المسافة إلا حينما يضع قدمه المرتابة على الأرض بعد الفتحة التي لم تظهر بعد ، لكنه رأى في المنام رجلا أقسم بأنها في هذا الاتجاه. لا يعلم إن كانت الأرض بعد النفق عشبا ، أم صحراءا ، أم هاوية

أصداء أناس بعيدين توشوش في آذان الحديد لعنات على الحياة في الخارج، أصوات أظافر يائسة تحك جدران النفق كأنها تحاول الدخول ، يجزع قليلا ، ولكنه لا يعلم إذا كانت الحياة حينما يخرج من الجهة الأخرى تشبه الحياة خارج الجدران لأنه - مرة أخرى- لا يعلم كم سيقطع من المسافة. الأكيد أنها تخيفه الآن آكثر مما كانت تخيفه بعد أن دخل النفق بقليل ، لأنها الآن أقرب إلى مكان الخروج كما يتوقعه.

في منامٍ آخر رأى أن النفق بفتحة واحدة ، قام مفزوعاً وفكر في أنه ربما يجدر به أن لا يتعجل المشي ، ولا يفكر بالخروج ، ربما سيبدو المكان مختلفا لو التفت إلى جدرانه ، بدلا من النظر الدائم إلى ما يظنه الأمام

متعب

أتاوا

مارس ٢٠١٠


Tuesday, 16 February, 2010

القيمة العادلة للأسهم




"It is a far, far better thing to have a firm anchor in nonsense than to put out on the troubled seas of thought. "

J. K. Galbraith

اشتروه بثمن بخس ، ثم مالبثوا أن باعوه بثمن أرخص ،وكأي (سهم) محترم ، لم يتحدث عن قيمته العادلة لأحد، ترك المحللون يتحدثون عنه ، عن قيمته التي لا "يراها " أحد ، عن "ظلم" أن يباع ويشترى بهذه الأثمان. عن مستقبله الواعد ، واليوم المحتمل الذي يتداوله الناس فيه بقيمة تشبه قيمته الحقيقية.

فكرة القيمة العادلة مغرية ، يكفي أنها تنظر إلى ماوراء الأشياء ، لا تؤاخذ أحدا بجريرة الظروف الاقتصادية ، ونفسيات المتعاملين ، والقيمة الظاهرة . الأكثر إغراءا من هذا ، أن تصبح الأسهم بعقل ٍ يخصها ، تحدد قيمة عادلة لنفسها ، دون دلائل يتعرف المحللون عليها بسهولة . وقتها تتمازج الأشياء والقيم بصورة معقدة ، تجعل من الأسهم وجها بثلاثة أقنعة وبلا ملامح ، قناع كما يراه المحللون ، وقناع كما يرى نفسه ، وقناع كما هو على الحقيقة ، والأخير لا يصلح لأن يكون ملامحا بلا قناع ، لأن الحقيقة في النهاية مستحيلة، لاستحالة النظر إلى الأمر بلا عدسات ،قد يستطيع الناس التحايل عليها ومحاولة النظر بالدقة القصوى الممكنة ، ولكن لايستطيع أن يخلعها أحد، لا أحد يستطيع النظر إلى شيء بدون عدسة ، نحضرها معنا إلى العالم ، تلتصق بنا وننظر إلى كل شيء من خلالها ، ونقضي أعمارنا- إذا كنا نحاول أن نكون منصفين- في الاستماع إلى صفات الأشياء من خلال أوصاف الآخرين لها عن طريق عدساتهم . كي نتعرف إلي

"الحقيقة".


لا يستطيع أحد بأن يدعي بأنه يعرف ما اذا كانت قيمة السهم/او السهم الذي يملك عقلا هي كما يرى نفسه ، أم كما يراه من حوله ، أم هي الحقيقة التي لا يعرفها أحد ، ويدعي الجميع ضمنا بأنهم يعرفونها. السهم الذي يملك عقلا يتم تداوله بلا أرقام، والأثمان بدورها ، تختلف من بورصة إلى بورصة ، ومن عدسة إلى عدسة..

يقبع كسهم في بورصة لا تعرفه ، يخبره أهله في وطنه البعيد بأن قيمته العادلة أكثر مما يوحي به الخط المستقيم الذي يصنعه في الثلج ويعتقد بأن عدساتهم تضخمه كثيرا ، حينما يحدث أن يطلق أحد تلك الأوصاف التي تخبر الآخرين عن عدساتنا يقولون له بأن عدسته غير منصفة على الإطلاق ، وأحيانا بأنها منصفة أكثر مما يجب ، تشبه منحنى الانحراف المعياري الذي لا يهتم الآخرون كثيرا في أي طرفيه يهوي ، ولكنه يهتم ، على الأقل حتى يعرف هل يجب عليه الصعود أم التقهقر. حينما يحاول أن يعكس عدسته إلى الداخل ، يصدق كل العدسات التي تراه صغيرا، كتب في دفتره: " أفضل أن أكون سهما جيدا يبخس قيمته من يجهله على أن أكون سهما تافها ، يرفع قيمته الجهال عينهم، ويعرف المحللون بأن قيمته العادلة أرخص مما يعتقدون بكثير"

منذ ذلك اليوم لم يعد يفكر في قيمته العادلة ، رضي بقيمته السوقية ، ابتدأ المحللون أنفسهم يصدقونه ،الأعصاب الملتفة بهدوء على جدار شبكيته خلف العدسة ، تقرؤ الأشياء بموضوعية ، ولا تمد أيديها إلا بما يمكّنها من وضع الملفات على الرفوف في سكينة وتناول الأوراق ووضعها في الأدراج ، تجبرت فجأة ! توحشت كتنين لم يخبر أحدا يوما بأن أيديه الطويلة تخترق العدسات ، كزهرة تبتلع حشرة بلا مقدمات ، خرجت أيديها لتصنع الحقيقة ، التي لن يعرف من أين جاءت أحد.


صنع الحقيقة بنفسه ، وما انفك ينتظر محللا بلا عدسة ، وبلا شبكية ، لم يخلق مثله بعد


Ottawa

فبراير، ٢٠١٠


Sunday, 20 December, 2009

أبي



شنطة الحزن التي حملتها فوق ظهري ثلاثة أيام من مطار إلى مطار . كخفٍّ لا أريد أن أخلعه قبل أن أتوضأ بدموع أهلي بكل ما يستطيع جلد تجلدي أن يستحمله دون أن يتقشر عن عظام ذنوبي. عظام ذنوبي التي تسرطنت في داخلي حينما مات أبي بعيدا .

رفعت حاجبيّ المنهمكين على دفتر حياتي ، فجأة ، على خبر يجعل الدفتر بلا فائدة والانهماك ترف لا أدرك لماذا يستغرقني. أبي الذي انهكمت على ذلك الدفتر أسطر الأشياء فوقه دون أن أ أتذكر أن أفتح على الصفحة الأولى دوما . الصفحات الممتلئة المبعثرة في المنتصف استهلكتني ، انهمكت بها حتى أنسيت ما كتبه في إهداءه لي على الصفحة الأولى . مات في يوم مناوبتي ، وأنا أتنفس ، دون أن أعلم بين أي نفسين من أنفاسي فقد تنفسه ، مات وأنا أحاول أن أساعد غرباء لم ألتق بهم يوما من قبل.

حملت شنطتي إلى الرياض التي أصبحت تبعد مسافة ثلاثة عشر منديلا ، وساعات تتبعثر على خطوط طولٍ لم أعد أفكر كيف أحسبها ، كانت تشبه درجات سلمٍ يتمدد بالعرض على خارطة الأرض، أهبط عليه باتجاه عكسي ، فأحس وكأنني أهوي، كانت يداه تعاوناني على الصعود ، وأنزل اليوم وحدي ، مترنحا بكؤوس جرعنيها الدهر عنوة ، وليس ثمة أيدٍ أتكيء عليها

قال لي يوما ، لا أحد يتمنى أن يتفوق عليه أحد سوى ابنه ، أريدك أن تتفوق عليّ وسأفرح بك ، كنت أعتقد أنه يعرف كل شيء ،كل شيء قبل أن أسأله يوما ، من خلق الله يا أبي ؟ أخبرني بأنه لا يعرف ، ولكنه أيضا أخبرني أن لا أحد يعرف ، فبدأ عقلي الصغير من ساعتها ، يظن بأن أبي يعرف كل شي ء ، سوى الأشياء التي لا يعرفها أحد

شاربه الغليظ ونظارته التي يخرجها بدقة كي يقرأ الجريدة، رائحة سيارته ، ملامحه الجادة ، ابتسامته الساخرة . تخرج كل الذكريات ، على هيئة شهقة طويلة .شهقة لها أطراف حادة. شهقة لم تنته ، شهقة أتذكر بدايتها جيدا ، ولا أظن أنني سأتوقف عن سماعها يوما

تفقد الكتابة طعمها ، لم أستطع أن أمضغها لشهرين ، تترك الباب مفتوحا على مصراعيه لخياناتٍ كثيرة ، وفراغات أكثر، ربما يستطيع الشعر أن يبعثرها على رقعة أوسع. لا أرجو مما كتبت سوى دعوة صامتة من أجله

..




ورحلت يا أبتي

وتركت هذا الكون أضيق ما يكون

فطويت أشرعتي

وجئت إلى الرياض

تتقاذف الأمواج أشلائي

وأصرخ في سكون

..

ويمرغ الخبر الفجيع

خدود ذاكرتي الحزينة في التراب

كم مر منذ حديثنا المقطوع

بين مفازتين

كم مر .. منذ ولادتي

كم مر مذ أوصلتني يوما لباب حضانتي

كم مر .. منذ أن جبنا الملز بدراجتين

كم مر مذ أهديتَ أجنحة ً .. وطرتُ

وانشطرت نواة الذكريات

لعالمين

**

رحلتُ عن وطني

ليرحل عني اليوم الوطن

ودعتهُ

في متنِ طائرةٍ

وودعني على متن الكفن

**

سافرتُ

وشنطة الحزن الثقيلة فوق ظهري

لأيامٍ ثلاث

ولست أخلعها كخفٍّ كي أبالغ في الوضوء

بدمع أهلي

بالأسى الذي ينساب في خدي

كنهرٍ في هدوء

..

ورجعتُ

أحمل الذنب المؤرق

ومئات كلمات الوداع

مالم أقله

ولن أقول

ما تسرق السنوات منا

وترحل دون أن ندري

متى يوما تؤول

ولن تؤول

وسُرقت يا أبتي

بلا كلامٍ أو سلام

وأتتني الأخبار فاجعة ، مسافرة ً

كريح ٍ

تزلزل في العظام

كإعصارٍ يدور مزمجرا

قد جاء من أقصى الرياض

ليحط في كندا

وقد تعاظم في الطريق

ويهزني أبدا ،

ويبلع الأشياء والآمال

كالأوراق ِ

في صمت الحريق

**

ووصلت أرض مدينتي

عادت إليّ الذكريات بجيشها

وكل شيء ٍ صار يشبه فيك شيئا

أوجه الناس الذينَ لا يدرون عنك

ولا عن قلبي المخلوع شيئا

قارنت ودون أن أدري

بسنين عمرك

سنين العابرين

وعجبت من سكناتهم

وعجبت من صمت البنين

ورأيت وجه أخي

وتحرك السكين في قلبي

فجمدت حتى قد عجزت عن الكلام

وكان جل حديثنا

عينان تفتضحان ِ

ذلك الحزن المهذب في أحاديث الرجال

وأنا قد جئت زوبعة ً

تمشي كنسماتٍ

وتدعي فضل السكينة

وبي مالو أفلتّ من عيني

لانساب نهرٌ في المدينة

وتستقبلني على الباب

أكتاف والدتي

وكأنها وادٍ يذود عن المدينة

فأشقّ أوردتي

وأسكب في ذراعيها

آلامي ، وزوبعتي

وأفيض كالكأس الصموت

يلمّ زخات المطر

روحان تشتكيان أسواط القدر

وتفوح في الأجواء رائحة الممات

والحزن المعتّق تحت أتربة السفر

وترمقني أعين الباقين عطفا

كالكفوف الحانيات

كالرابتين على ظهور رجولتي

ولا رجولة في الممات

..

أفرغت أحمال ألفاظ العزاء

بلا كلام

وقد اكتفيتُ بلفظةٍ أو لفظتين

وتركت عينيّ ، تبوحُ بكل حزن الأصغرين

فلا لسانَ

ولا فؤادَ

ولا حتى يدين


بلّلت أقنعة السكينة والوقار

وتفيض ، بسد عينيّ المنيعة

نافورة الفقد الأليم

بلا اختيار

وأجاهد الماء اللعين

بقبضتي، من أجل إخوتي الصغار

فأنا قد جئت من أقصى الكون منكسرا

لأجبر .. ما يكون من انكسار

أي أحزانٍ تلك التي يلقي بها ملك الرحيل

أي أحزانٍ تلك التي يزرع الموت

المزلزل في القلوب

.. ماذا

ماذا أقول عنك

ماذا لا أستطيع بأن أقول

ماذا سأفعل حين أرجع بالشهادة

ماذا بربك دون أعناقٍ

سأفعل بالقلادة ؟

قد كنت تدفعني لأجري

قد كنت تدفعني لأعلو

وتقول لي دوما

بأنه يرضيك أن أعلو عليك

عد ، لتربت

أو لتقرص

فأنا أشتاق يا أبتي يديك

أشتاق لأن أقبل فوق أطراف الأصابع جبهتك

سامح صغيرك

وارض عني

كل كلمات الحنين التي خبأتهنّ

عدن وزلزلنّي

سامح الأمل الطويل

فما ظننت بأنه يغتال مني

والتذمر

والتفكر

والتمني

وبعدي وسفري ، واختلاجات الرحيل

وكل ما جافاك عنّي

**

وأعود

وأعود من وطني

كنائحة تولول في وقار

صرخاتها قدمي

وسمع الناس أروقة المطار

وأمتطي

ذلك الطائر الضخم الحزين

بلا ملامح أو عيون

متكوماً بجوار نافذة أحدق في السحاب

وأسرح للبعيد

وأرتب الأحزان في قلبي

لأبدأ من جديد

وأحط في كندا

أجر حقيبتين

وغربتين

ويسألني الموظف

إن حملت غير حقائبي

فأجيب : لا

لا شيء تقدر، مهما تحاول أن تراه

أب وفارقني

وأطنان ٌ من الكلمات

تبعثرت ، وتجمعت ،

وتناثرت ،

والريح تأبى أن تزفّ إلى ثراه

وحنجرة الوداع ، حبلين منقطعين

ما انفكيت أصلحها

وأتيت بها مفككة ومهملة

بلا حبال ، أو لسانٍ ،أو شفاه

**

ذكراه سكينٌ

وشراع قلبي يرفرف كالذبيح على السفينة

وإبحاري طويلٌ وقد ضاقت على همي

بحيرات المدينة

**

أفهكذا تنتهي الأشياء

أهكذا .. تبلع الأشياء

أمعاء الأبد ؟

دنياك زلزالٌ عظيم

لا يحس به

- ولو واسى-

أحد

..


متعب

أتاوا

ديسمبر 2009