Sunday, October 25, 2009

السعودية و دارون و فرويد و الترف و الجرائد و التاريخ





تقتلني التعليقات التي أقرأها في مواقع الجرائد السعودية ! تقذفني قذفا إلى الهم العام !


السطحية اللذيذة ، التي يستلذ الجميع مضغها ، في عالم سريع ، لا ينتبه أحد لطعمها البلاستيكي ، الذي يشبه فطائر ماكدونالدز المجمدة ، التي تقوم من بياتها الجليدي لتستقر في دفء معدتك ، تسلم على لسانك بسرعة قد لا يلاحظها قبل أن تذهب إلى أمعائك لتنام من جديد .

كل شيء يتحرك بسرعة خاطفة ، خاطفة جدا . لا يبدو أن شيئا يستطيب الجلوس بما يكفي لتلاحظه أكثر ، لتشعر به أكثر .

خذ نفسا عميقا ، آغمض عينيك ، توقف عن القفز من "سطح" إلى "سطح" ودعني أتحدث إليك.

قبل عقود ، أو حتى قبل سنوات ، في صحراء تسكنها بيوت طينية متفرقة كأشجار الصبار ،كانت الأشياء بسيطة ، بسيطة جدا . بسيطة إلى حد يصعب أن نتخيله . أتخيل ثلاثينيا يدير المذياع ليسمع صوت شخص يحدثه عما يحدث في مكان آخر ، ويشعر بالزهو ، والاكتفاء ، والاطلاع الذي لا يعرف حدودا . يسمع خبرا عن حرب ما ، فيحتضن مركاه ، ويمد قدميه ، ويحدث أصحابه بما سمع ، يرتشفون القهوة ، ويمضغون التمر ، يتحدثون بلا انتهاء ، يغوصون إلى الحد الأدنى من العمق ، لا اقتناعا بأهمية التعمق ، والتحليل الجيد ، وإنما ثغور جائعة ، تتلقف قطعة صغيرة لا تسد شيئا من جوعهم ، فيمضغهونها ، ويمضغونها ، حتى يتيغر طعمها كل مرة .

وهكذا ، أتخيل أن كتابا ، مهتريء الأطراف ، يصبح صحراءا لا يمل اقتطاعها تنتقل من حافرٍ إلى حافر ، والصديق رغيف يومي، يتغير مذاقه كل يوم ، والسماء الممتدة ، مسرحا للتفكير والتأمل ، والتمحيص .


ستون سنة مرت ، تضخمت الأشياء بكل المعاني الممكنة للتضخم . تدفقت الأموال من كل النواحي ، أخبرني أبي أن قطعة أرض كان ينوي شرائها بأربعة آلاف ريال ، آصبحت بعد خمس سنوات تباع برقم يزهو بتسعة أصفار على يمينه . تضخمت البيوت ، أصبحت بأسوار عالية ، ثم أصبحت ترتفع فوق الأسوار بقطع حديدية لتبدو كقلاعٍ محصنة . الأطفال الذين كانوا يلعبون في الطرقة مع آخرين أصبحوا يلعبون داخل الأسوار . تضخمت الأجساد ، تضخمت الوصاية ، تضخمت الشوارع بالمطاعم ، وتضخمت البيوت بأجناس أخرى ، بشر يفترض بهم أنهم مثلنا ، اخترعنا لهم منزلة خاصة بهم ، نسخرهم لخدمتنا ، لم تعد امرأة تخرج لتقضي حاجة خارج البيت ، لم يعد أحدا يمشي من بيت إلى بيت ، الحياة اليومية تغيرت واعتراها ترف لذيذ ، يستلذ به أشخاص جربوا شظف العيش ، لم يعلموا يوما بأنهم يؤسسون لتغير اجتماعي جذري ، وبأنهم يلقون كل ما عاشوه من قبل في حاوية كبيرة اسمها التاريخ ، ليرمى من يفتش فيها بعد ذلك بالجنون والغرابة .

أتينا بأناس من دول أخرى بأجور رخيصة ليدرسونا ويربونا ، كنا طلابا وكنا في درجة أرفع منهم ، نظن بأننا أفضل ، فقط لأننا نملك أموالا أكثر ، لا أظن بأن دولا كثيرة عبر التاريخ مرت بتجربة مشابهه بل حتى نحن في زمان آخر كان المعلمون ، والمربون شيوخا أفاضل يملكون من الحكمة والاحترام ما لا يقارن باحترام مدرس مصري ، أو سوداني يمضغنا على كره ليقيم أوده . أية آثار يتركها مثل هذا على جيل كامل ، آثار الاتفاق الضمني بأن قدواتنا ومعلمونا ، مساكين . آثار استقطاب أناس من دول ٍ أخرى ليربون أولادنا على مضض . أصبح (العلم) مسكينا ، وأصبحت النقود تشتري الأسئلة والنجاح والحظوة . أصبح العمل أمرا كماليا تستطيع الالتفاف عليه . وتقضي حياتك الباقية تلتف على مخالفات المرور ، وقبول الجامعة ، والحصول على الوظيفة ، وعلى طوابير البنوك وحتى طوابير المطاعم . قفزنا على كل شيء بزنبركات من الأموال ، تجاوزنا كل شيء كل الخطوات التي جعلت أوروبا المظلمة تتبحر في العلم ، ثم تتبحر في البحث ، ثم تجني ثمار ذلك كله في عوائد ما تفتق عنه البحث ، امتلكنا ما يكفينا لنأتي بكل الثمار الطازجة ، كفلاح مع تقادم الزمن ينسى أن هناك شجرة للتفاح ، كل ما يعرفه عن التفاح أنه يستطيع بريالاته أن يحضر صندوقا من التفاح على ظهر هندي متقوس.


امتلكنا ما يكفي ، لنمارس الترف ، بكل أنواعه الرمزية والحقيقية ، ترف ديني ، يملكه علية القوم ونحسبهم والله حسيبهم الصفوة المختارة ، يرتدون عباءات مطرزة بخيوط صفراء ، يرتدون الأشمغة بدون عقال ، هكذا بدون أية سبب منطقي ، ترتدي شماغك دون عقال فتصبح في منزلة أخرى ، تحدث الناس عن الفضائل وتنهاهم عن كل ما تعتقد أنت أنه رذيلة ، هكذا فقط دون أن تستأذن أحدا ، تتحدث باسم الله مع الناس .

ترفٌ مالي يجعلك لا تتخيل كيف تكون حياة الآخرين بدونه ، تنسى كل شيء وتجعل من نفسك مسطرة تقيس الناس عليها. لا أنسى ذلك الصديق الذي كان يملك سيارة فارهة جدا ، ونحن على أعتاب المرحلة الثانوية ، كنت بجواره ، ومرت سيارة متهالكة ، يقودها مقيم عربي ، فأفصح الصديق عن قرفه من مثل هذه المناظر ، كان يتحدث جادا جدا عن وجوب أن تمنع الحكومة هذه السيارات ! حينما علقت بأنه قد لا يملك ما يشتري به غيرها ، أجاب بأنه متأكد تماما أنه يستطيع وأن عنده من الأموال ما الله به عليم ، وأنه يقدر ببساطة أن يشتري سيارة لائقة بدلا من الأموال التي يحولها إلى أهله في بلده !


هل صدمك ذلك المثال ؟ هل تعتقد بأن ذلك الصديق كان فجا وأحمقا ؟ فكر معي لحظة ، ماذا عن المليار مسلم في شتى أصقاع الأرض ؟ كيف نقيس حياتهم ؟ ومعاملاتهم ؟ وهيئاتهم الخارجية ؟ كيف ننظر إلى أم ٍ خمسينية جاءت تحمل هم أولادها فوق كتفها من قرية مسلمة صغيرة في اندونيسيا ، تمسح دموعها بأطراف الحجاب الذي جاءت تحمله من بلادها ، بكاءها مخادعة ، وتعبها كسل ، تتحرك في المنزل كشيء لا احترام له . كم نسبة السعوديين الذين سيحلفون أيمانا مغلظة آن مهما غلبتهم الحاجة لن تعمل أمهم أو بنتهم خادمة ، تلك الحاجة التي لم يعرفونها يوما . ترفنا أصبح مسطرتنا التي نحملها معنا إلى كل مكان ، ونقيس بها كل شيء .


يحق لنا ! ألسنا أفضل أمم الأرض ؟ لا نشك لحظة في ذلك ! كل ما تعلمناه في المدرسة يخبرنا بأننا الأفضل ، نحن الذين تمسكنا بديننا ، وبسنة نبينا ، ولم تقوض أركان إيماننا الخرافات والبدع ! حسنا ، أخرج من كل ماهو حولك ، ارتفع إلى السماء وانظر إلى كوكب الأرض من بعيد . هل يستقيم بحال أن أهل هذه البقعة الصغيرة هم أفضل أهل الأرض ؟؟ هذه البقعة التي لا تأمن على طفلك الصغير فيها من الخروج من باب المنزل دون حراسة ، تلك البقعة التي لا يغادر فيها طالب مقاعد الثانوية إلا وقد تعفنت أذناه من قذارة ما سمع ،تلك البقعة التي يستحيل فيها أن تمشي امرأة بالشارع وحدها آمنة مطمئنة ، تلك البقعة التي ينتشر فيها الفساد والرشوة والمفاضلة بغير التقوى والعنصرية ، والسرقات ، والكذب ، والنفاق . ككثير من البقع في أصقاع المعمورة .

ذلك الاعتقاد الراسخ ، الذي لا يقبل الزعزعة ، الذي يجعلك تقرأ الآن متضايقا ، فقط تخيل ، تخيل أنه خاطيء . تخيل أنه كذبة كبيرة بحجم لا يمكن أن تتخيله ، كذبة رضعتها في كل يوم منذ أن ولدت ، فقط من أجل التغيير ، وقليل من الترف الفكري الذي لم نجربه من قبل ، تخيل . امنح نفسك دقائقا لتبحر في عالم آخر ، أخرج خارج نفسك ، وخارج بلدك ، وتفرج عليها .


تخيل لو كنا ، أمة كأية أمة أخرى ، نعتز بما نعتقد ونظنه الصواب الأوحد بالضبط كما يعتقد الآخرون . تخيل أن الآخرون يظننونا على ظلال ، لكنهم أكثر أدبا منا ، فلا يقومون بسبنا من على منابرهم .

لا أفهم مالذي يجعل اعتقاداتنا الراسخة سبيلنا إلى كره الآخرين ومعاداتهم ، يبدو وكأن الأمر سلاحٌ ذو حديين . معتقد النصارى الذي أؤمن أنا وتؤمن أنت أنه محرف ، أتخيل أن به ثغرات كثيرة ومنفرات لا تجعل منه مصدرا للفخر والتأكد الحتمي من فداحة مسلك الأمم الأخرى . ديننا الجميل ، المكتمل ، المعجز ، الذي كان سيحلق بنا عاليا لو انشغلنا به عن غيره ، جعلنا نفكر بانتقاص للآخر لا تطيقه الثقافات الأخرى ، جعلنا نعتقد بأننا مستهدفين طوال الوقت ، انشغلنا بالدفاع عنه من السكون في كنفه ، بالضبط كمن يملك بيتا فارها ، ويقضي كل وقته في الشارع ليحرسه ويذب عنه ، ذلك البيت الكبير الذي يسكن به خلق لا يحصون ، يتفرغ الكثيرون ليحرسون أبوابه ، يرشقون المارين بالحجارة ، ثم يعودون إلى داخل البيت ليفزعوا سكانه ، ليقرعوهم على الدعة والسكينة ، ليخبروهم كيف يجدر بهم أن ينظفوا حجراتهم ، ثم فجأة ينسى الناس عن ماذا دافعوا ، ثم يبدأ البعض برمي حجارة دون سبب غير أن الجميع يرشقها ، يبدآ البعض بالدفاع عن الشارع ، ثم يدافع عن شجرة في الشارع لا أحد يعلم ما إذا كانت تخص البيت أم آنها تطفلت عليه .

بيتنا الجميل ، جعلنا نظن أن الآخرين يفنون حياتهم لينفذوا إليه ، نعاديهم ونكرههم ونتحدث عن عدم احتياجنا إليهم وعن وجوب مقاطعتهم . نتحدث بمايكروفونات يصنعونها ونقود سيارات يصنعونها ونكتب بأقلام يصنعونها ، ونلبس أحذية يصنعونها ، ونتوج على رؤوسنا أشمغة من صنعهم ! ثم نتحدث عن مقاطعتهم ! كم نشبه ذلك الطالب الغبي في آخر الصف الذي يكره كل المدرسين ، ويرى ان الرياضيات ترهات لا يحتاجها ، والأدب صعب ، والعلوم تعقيد . يقضي الحصة الأخيرة يتحدث عن أبيه الذي لايحترمه لأنه لا يستمع له جيدا ، يقول له صديقه إذن لماذا لا تستمع أنت الآن جيدا للمدرس ؟ يفتح عينيه على آخرها وكأن الصديق تفوه بأحمق كلامٍ يمكن أن يسمعه ، ثم ينعت الصديق بالغباء لأنه لا يفهمه. يتمتم بجمل سريعة متحدثا عن غباء الصديق وغباء المدرس ، وغباء أبيه ! يخرج بعد الحصة السابعة بسيارة اشتراها أبوه له وبذل من أجلها (شكرا ) عجوله منذ سنتين . تلك السيارة التي لو اشتراها المدرس ستأتي على (شقى عمره ) .

تخيل معي أن الكرة الأرضية رقعة كبيرة ممتدة ، وتخيل معي أن الدول مزارع . كل المزارع بها من يعمل ، ومن يقتات على جهد من يعملون ، ومن يسرق من الأشجار ومن يطرد بعيدا عنها . مزرعتنا ، صناديق من الفاكهة تخرجها شجرة سوداء عظيمة لا نعلم عنها الكثير ، هناك أشجار صغيرة متفرقة هنا وهناك ، وحينما قلت الفاكهة نسي الناس كيف يزرعون ، لم يتعلموا يوما كيف يزرعون ، لم يشاركهم أحد في صناديقهم ، وحينما يسرقون . يسرقون من الصناديق لا من الأشجار . هناك أيضا أيادٍ ناعمة ، لم يتعود أحد رؤية مثلها في المزارع المجاورة تمتلك الكثير من الفاكهة ،حيث أن مثل هذه الأيادي هناك ، معروقة وخشنة وقد عانت من حرث الأرض ماعانت .


جميل أن نملك فاكهتنا بأقصر الطرق . لكن المهم ، المهم جدا جدا ، أن نحاول ردم هذه الهوة التي قفزناها ، أن ننزع الزنبركات ونمشي على الأرض ، وإن لم نستطع نزعها ، فلا أقل من أن ننظر الى الأرض ، نفكر جيدا ، ندرك ما تجاوزناه وكيف يمكن أن نعوض ذلك . صنعنا جغرافية بقمم ناتئة بينها حفر هائلة ، نقفز بينها بما نملك ، المشكلة تخيل ما سيحصل بدون هذه الإمكانية للقفز ، كم سنسقط ؟ وكم سنتألم ؟ وكيف نعاود النهوض بأقدامنا العارية ؟قصتنا تشبه كثيرا قصة الأرنب والسلحفاة ، آه فقط لو فكر الأرنب كالسلحفاة ، تخيل فقط أين يمكن أن يصل !


ابتدأنا من الأعلى ، من السطح ، أصبح كل شيء على السطح ، يجتاحنا طوفان معلومات ، لا يمكن أن نتعامل معه دون أن نقفز من سطح إلى آخر ، أقل محاولة للنفاذ إلى العمق ولو ببضعة مليمترات توصف بأنها عميقة جدا . نكتفي من الأشياء بمظاهرها ، اللحية خلق كريم ،صورة مقطعية للدماغ ، مبهرة الدقة بحيث تخبرك عن تفكير الشخص المستقيم ، وسلامة طويته وطيب نيته ،وطول ثوبك أهم بمراحل من سعة عقلك ، والعباءة هيبة واحترام ، والغطاء للمرأة احتشام ، والنقاب درجة أقل ، والحجاب تفسخ ، ومسطرتنا هي ذاتها نقيس بها سيدات في أعمار أمهاتنا من دول أخرى نخاطبهن كمراهقات نزقات فقط لأنها زجت بنفسها في ذلك التصنيف الشكلي ونحن لا نريد أن نفكر لست ثوانٍ ونصف .

العالم كله يعاني من السطحية ، الوصفة السريعة لطبخ المتغيرات ، وكلما ازداد أناس في التعمق في شيء ، تبدو سطحيته أكثر فضحا ً . مشكلتنا أننا لا نعرف أنها سطحية ، نظن أننا لمسنا القاع وأدركنا كل شيء ، نكذب الذي يصور لنا شعبا مرجانية من عمق البحر لأننا ألقينا نظرة على السطح ونستطيع أن نحلف بأن لا وجود لشعب مرجانية هناك . نملك قائمة ممتازة ، ممتازة جدا ، لا ينفذ منها شيء ، للاتهامات المعلبة ، جاهزة تماما نتناولها من أقرب رف في خزانة عقولنا المتواضعة ، لا نكلف أنفسنا حتى إحضار شيء من مستودع الذاكرة ومخازن التاريخ . الذي يدعو للتفكيرمتفلسفٌ يقدم العقل على النقل ونحن قوم نقدم النقل على العقل وننسى كل الآيات التي تتحدث عن التفكر والتبصر والتعقل .والذي يتحث عن الدين بعقال ، علماني لا يفقه شيئا ، والذي يأتي على ذكر المرأة من بعيد ، متبع للشهوات داع للتحرر والسفور . والذي ينتقد شخصا عليه مظاهر الالتزام ، عميل ، يهاجم الدين برمته !

لو كان الرسول بيننا ، يتحدث مع جاره اليهودي ، أو كانت عائشة تتحدث مع الرجال بيننا ، أو امرأة سعفاء الخدين ترفع صوتها بين الرجال ، لا أدري ماكان سيفعل المتحمسون بهم ، أتحرق شوقا لمعرفة الأوصاف التي ستطلق عليهم !

إذن سطحيتنا ، مع كل هذا الكره العنيف ، لأي رأي أعمق ، وأي ملاحظة نقدية ، مصيبة لا تعدلها مصيبة !

نفسر كل ما يجري حولنا بأسوأ ما يمكن من الظن ، نهاجم الأشخاص ونترك الأفكار ، حينما يتحدث أحد عن آن تجلس المرأة في كرسي أمامه مقود لتحرك تلك العربة الحديدية من مكان إلى مكان ، نتحدث عن بناته وعن دياثته وفحشه ، وحينما يظهر وزير متواضع بما يكفي ليرتدي زي طباخ ويعمل نادلا في مطعم ، نتحث عن بيته الذي يجدر به أن يسعوده قبل أن يسعود الوظائف ، وحينما يحدثنا أحد عن شيء لا يروقنا ، قبل حتى أن نخرج مسطرتنا المعيبة لنقيس ماقال ، نرميه بأصله ، وبعرضه ، وبدينه .

نرفض التغيير بطريقة كهربائية منتفضة ، قبل أن نفكر قليلا بعد سنوات من القفز على السطح ونقبل . المذياع، السيارة ، التلفاز ، الصحون الفضائية التي كانت ترمى بالبنادق من بعضهم قبل أن يبدؤون بتركيبها بالمفكات في بيوت الآخرين ، الجوالات ، الجرائد ، الكتب . حتى فرع مطاعم ماكدونالدز الأول في الرياض ، وعلب الكوكا كولا اليهودية ، كل شيء ، كل شيء .

نجلد ذاتنا كمهووس بكره نفسه ، ومما يدعو للسخرية أنني هنا ، أجلد الذات منتقدا جلد الذات ، أنتقد النقد ، أدرك تماما غباء من يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، لكنني أرى أن الجلد لغرض الجلد مختلفٌ تماما عن التقريع لشيء يمكن تغييره . نقد الفكر يختلف عن نقد المسلك ، والتصرفات وعن نقد العموميات ، كتخاذلنا عن نصرة الإسلام ! حسنا قلي بربك ماذا أفعل للقضية الفلسطينية ! مدرسون لا أحصيهم ، ومقالات لا أعدها ، وبرامج لا أتابعها تقلدني كل يوم قلادة الشعور بالذنب لذنب لم أقترفه ، التجار الفلسطينيون الذين كانوا سواعد لياسر عرفات ، وهذا الأخير الذي مات عن ثروة هائلة ، هائلة جدا لا أعلم من أين جاءت ، توزعت وخزات ذنوبهم على الجميع ورقدوا هانئين ، الفلسطينيون يتقاتلون فيما بينهم ، ومما أصابني بالدهشة اللا معقولة ما قرآته يوما عن جنود من فصيلة فسطينية لجؤوا إلى إسرائيل احتماءا بها من الفصيلة الأخرى !! وفي ذات الوقت يملؤ الضجيج برامجنا عن تقاعس العرب ، وتخلي العرب ، وجبن العرب !

الأوصاف التي توزع بسخاء عن تخلفنا ، وغباءنا ، والغرب المقدس ، وشعورنا الفظيع بالنقص الذي نستعمل معه كل الحيل النفسية الممكنة التي تجعلنا متغطرسين وغير عابئين . حفرة نقصنا التي لم نفكر يوما بردمها ، رملة رملة ، كل ما نفكر به ، كيف نلتف على هذا النقص ، كما التففنا على كل شيء ، كما قفزنا حفرة العمل الدؤوب ، وحفرة التعليم ، وحفرة الوظيفة ، وحفر المخالفات ، وحفر الطوابير ، نمني أنفسنا بقفزة مفاجئة ، حرب ضرووس يعلي فيها الله كلمة الحق والذين آمنوا ونقلب كل شيء بسرعة وننتصر فجأة ! ننسى العمل ونحشد كل جهودنا في نشاطات ، عاطفية نفسية أدبية ، لتخفيف شعورنا بالذنب ، نقول أن الزمان أغبر ، ولا شيء يمكن عمله سوى الدعاء ، وبدل أن ندعي ليرفعنا الله ، ندعوا على الآخرين بأن يخسف الله بهم ، بأن يدمرهم ، فجأة ! حتى نصبح فوقهم دون أن نغير من مكاننا قيد شعرة ، نكتب عن تخلفنا وتخلف العرب جميعا، نقرعهم ، ونقرع أنفسنا حتى حين ، عل الله أن يخرج من ظهورهم صلاح الدين، بعد أن فقدنا الأمل في أنفسنا ، حيل ضعيفة مكشوفة وواضحة ، لا يتحرج أحد من استخدامها لأن الملايين حوله يستخدمونها ، بودي أن أعرف ماذا كان شعور الإمام الأول الذي خرج ليدعي على الناس بالتدمير والفناء ، أتخيل أن ذلك حصل في فترة مشحونة بالعواطف والشعور بالظلم ، استغرب القليلون ولكن عاطفتهم غلبت ، عملت الخطة بالضبط كما تخيل ،عاد إلى بيته مطمئنا فقد وكل الله بهمه والانتقام له . نسي أن الله عز وجل يقول ( وقل اعملوا) ، اعملوا . لا أدري لماذا لا يجلس في منزله ويطلب من الله الرزق ، لماذا لا يطلب من الله أن يلقي القرآن في صدره بدل التعب في الحفظ والمراجعة ، ربما كان السبب معرفته بالنتائج المباشرة والبسيطة للعمل الذي يأتي بالرزق ، والمراجعة التي يتطلبها الحفظ ، ومعرفته الأخرى ناقصة ، لكنه يستطيع ببساطة أن يعمم جهله على الناس . بالضبط مثلما حصل حينما خرج شيخ معرووف إلى باريس ، وامتدح ما رأى . رأيه بعد أن ذهب غير رأيه ما قبل ذلك ، لذلك ربما يتوجب علينا جميعا أن ننتظر أن يسافر أوصياءنا ، واحدا واحدا ، ويقرؤون كتبا ، حتى يصدرون مراسيم رضاهم عن ما لا نستطيع بعقولنا الضعيفة وديننا الرقيق أن ندركه .

حسنا ، لنفترض أن الله استجاب لدعائنا ، وخرج صلاح الدين ، و"كسر الدنيا" ، وانتصرنا على الجميع انتصارا ساحقا ماحقا ! لنفرض أنهم اختفوا من الأرض فجأة ، الجميع اختفى وبقينا نحن .

الوقت صباحا ، مساء الأمس دمر الله الكافرين جميعهم ، واختفي كل أهل البدع والظلال ، ولم يبق سوى أهل السنة والجماعة ؟كيف ستذهب إلى عملك ؟ بالسيارة ؟ والوقود الذي تستخدمه بها من يكرره ؟ من يصنع الأحهزة التي تستخرجه ؟ السيارة ذاتها ، من سيصنع مثلها بعد عشر سنوات ؟ من يحضر لها قطع الغيار ؟

ماذا يفعل آلاف المرضى في المستشفيات ؟من أين يحصلون على الدواء ؟ كيف تعمل أجهزة الأشعة ؟ وأجهزة الجراحة ؟ الأنابيب الداخلة والخارجة ؟ كيف تبني بيتا ؟كيف تستخدم الكهرباء ؟ من أين تآتي بالإضاءة ؟ كيف تحفظ أطعمتك دون ثلاجات ؟ كيف تطبخ ؟ كيف تصنع جهاز كمبيوتر ؟ كيف تسافر بالطائرة ؟

حسنا لنفترض أن الله مسحهم من الأرض وبقيت مصانعهم ودور أبحاثهم وكل ما صنعوا جاهزا لا ستخدامنا . من سيعمل بالمصنع ؟ من سيكمل البحث ؟ من سيخترع الدواء ؟ ويكمل المسيرة في خصائص الضوء ؟ من سيكمل تلك الزراعة الأساسية والمتعمقة التي لا يربطنا بها شيئا سوى ما نحصد من ثمارها . من فكر يوما في الخطوات التي مرت بها صناعة السيارة مثلا ؟ المحرك ؟ الناقل ؟ ضخ الوقود ؟ من الذي اكتشفت المحرك أولا ؟ ومن الذي كتشف الكهرباء أولا ؟ ومن الذي اكتشف الوقود أولا ؟ ملايين بل بلايين الأوراق كتبت ، ونوقشت ، وبلايين التجارب أجريت على مدى عقود . هل يعقل أن كل هذا لا شيء ؟ كيف يعقل أن نقفز كل هذا ؟

نظرية دارون ، كفر وسخافة ، يلغيها كلها شخص لا يعلم عنها شيئا بجرة قلم ، فرويد يهودي منحرف لا يتحدث إلا عن الجنس، يصلب على أعمدة كتاب لم يقرؤوا له حرفا واحدا ، الفلسفة ، كلام لا طائل منه ، يفضي إلى الشك ، ويخل بالعقيدة . كتب دارون لها ألف وجه غير وجه القرد الذي نعرفه ، وفرويد غير فكر البشرية جمعاء حينما اكتشف اللاوعي ، والفلسفة أساس العلم ، ولولا أن أفضت إلى المنهج التجريبي ، لما ابتلعت حتى تلك الحبة الصغيرة حينما تشعر بالصداع ، ناهيك عن جميع ما أتى به العلم في العصر الحديث.

الرغبات الصبيانية بالنصر المفاجيء ، مضحكة وتختلف مع نواميس الحياة ونواميس الدين ، وما قال الله عز وجل ، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا .

أنا لا أتحدث عن رأي ضد رأي ، إطلاقا ، أنا أتحدث عن طريقة تكوين الرأي ، الحجة خلفه ، احترام ال(بني آدم ) الذي يخبرك عن رأيه ، عن الثغرات المنطقية التي نقع بها زرافات ووحدانا ، عن التحرر من قضية أن العالم بأكمله مشغول بك ، ويريد القضاء على دينك وشرفك. أن تدافع عن رأيك منطقيا ، م ن ط ق ي ا ! أن تصادق العقل ، بدل أن تعاديه ، أن ترغب في الرفعة بدل أن تتمنى أن يهبط الآخرون . أن تفكر قليلا ، لست ثوانٍ ونصف !


الطالب الغبي في آخر الفصل ، أرهقني كثيرا ، أريد أن أستمع إلى المدرس ، أرجوك ، تقبل وجود عقل آخر - على أسوأ الفروض- كعقلك . المهم أنه عقل آخر .

يا صديقي الذي لم أنتقيه بمحض إرادتي ، أنا لم أطلب منك ( إضافة) شيء أنا أطلب منك فقط آن تخلصني من محاولاتك ل(إزالة) ما أفعل . أتفهم أن الآمور لا تعجبك وتستطيع أن تغادر . أرجوك دعني أستمع ، أنا متأكد تماما ، أنني لو انتظرت دورة حياتك الكاملة ستعرف في آخر المطاف أنك كنت على خطأ . المشكلة أننا في نفس العمر ، وأنا لا استطيع ان انتظر عمري كاملا . عجوزين، في فصل متهدم ، أنت تخبرني أنني كنت على حق وأنك نادم ، وأنا أخبرك -بتفهمي الذي عودتك عليه - بأنك ربما كنت على حق لأن الفصل تهدم !



متعب

اتاوا ٢٢ اكتوبر ٢٠٠٩

Saturday, August 29, 2009

هندي لا يعرف طريق البطحاء ، وصديق آخر ، وسعال







رمـضان ، الذي يجعل مني رجلا آخر .

رجلٌ ، يلوك شوقه مع حبات التمر ، ويغمض عينيه إذ يشرب القهوة ، ويسرح ذهنه بعيدا ، بعيدا . أراقب الساعة ،أصنع من عيني أذنا ، وأتخيل الساعة حنجرة مؤذن. أقدم الشاي لنفسي بعد الإفطار وكأننا شخصين ، أحدهم يضع الصينية مبتسما ، والآخر يسند ظهره على الكنبة السوداء ممتنا . أمتليء بالحديث ، كان في رمضان العام الفائت يتكدس فوق حنجرتي ، ككرة صوف ،أختنق بها ، وقرر في رمضان هذه السنة أن لا يرهق نفسه بالنزول هناك بلا فائدة ، فتكدس في عقلي .

أود أن أتحدث عن مسلسلات رمضان ، ومقالات رمضان ، و الحر ، و الأشياء الصغيرة التافهة ، التي لا معنى لها . أود أن أتحدث عن الفرق بين أن تضع الهيل بعد أن تفور القهوة أم قبلها ، عن لذة خلط الماء باللبن ، أود أن أجلس في الصالة منتفخا وأقول : مالي لا أرى الهدهد ؟ : فترمقني أمي بنظرة نصف غاضبة ونصف ضاحكة ، تتمتم : استغفر الله ، استغفر الله بس ، "منتب صاحي !" .

الوحدة ، التي جعلت جبران خليل جبران ، يخرج منها مسميا نفسه "المصطفى " ، ويكتب كتابا يسميه النبي ، يخاطب الناس فيه من منابر الأنبياء .الوحدة التي جعلته يتخيل نفسه عظيما من بعد صغار ، وتجعلني أتخيل نفسي صغيرا من بعد عظمة . الوحدة التي تهرسني هرسا ، وتعجنني عجنا ، وتطحنني طحنا . أمشي وكأنني في علبة بجدار مصمت لا يراني أحد ، كهندي لا يعرف طريق البطحاء ، وحينما ذهب إليها حدثوه بأشياء لا تروقه ، يظنها أقل من ينزل إليها وربما كانت أعلى من أن يصعد .ما انفك يلوم نفسه على موقعه المحير ّ وتساؤلاته المتعبة ، ويجلد ذاته جلدا يليق باستحقاقه الذي يتخيله .

الوحدة التي ألومها على كل شيء ، منذ ثلاثة أيام كتبت الكلام أعلاه ، كنت أشعر بقواي وقد خارت ، ومزاجي وقد تعكر ، ورجلاي وقد ضعفت ، وبعدها بيوم ، انتفخ حلقي كضفدع بجلد لا يتمدد ، هدتني الحمى ، وتحدرت شلالات عقلي على منحدرات أنفي ، جاء البرد يغازلني وأدفعه ، كفاتنة ٍ مع رجل ٍ صالح ، أو كدميمة ٍ مع فاسق ، يلحقني في كل مكان ، وحينما أنثني على السرير ، أطلق تنهيدة لائمة ، وكأنه يستطيع أن يراني أتذمر برفق قد يُخجله . تذكرت ما كتبت قبل زمن ، عن المرض ، عن ما نفعل حينما نضعف ، عن احتياجنا الذي يتقشر عنه جلد قوتنا بأظافر المرض. ذلك الشعر الذي كتبته قبل سنواتٍ خمس ، ذات مغص .


أعاني .. وحيداً

كمثل الغريب !

كمثل الطيور .. إذا ما تموتُ .. بأرض القفص !

تلويّت وحدي ..

تفتّتُ إرباً ..

بسوط المغص !

وتلتفّ ساقي .. بساقٍ قريب

واسمع صوت احتكاك الملابس ِ ..

مثل النواح ..

كمثل النحيب .. !



***



هل من عليلٍ .. تفكّر يوماً !

لماذا .. يداعب ساقاً .. بساق !

لماذا يخربش .. وجه السرير ..

لماذا يبالغ في الالتصاق ؟

لماذا يقبّل خدّ الوسادة

لماذا يلامس ..حتى الجدار

لماذا العليل .. الوحيد .. يتوقُ ..

إلى الانكماش ..

إلى الانحناء ..

إلى الانكسار !

فيبدو كرأس محب حزينٍ

تمنى بصدر الحبيب .. القرار !



..
لماذا نحاور أجسادنا !

..
ونطفيءُ حتى .. ضياء السراج !

..




هو الاحتياج !



..

هو الاحتياجُ



هو الاحتياج !
..

والاحتياجُ .. أبو الاختلاق ..

لهذا نــُخلّـق .. من بعضنا ..

شيئاً .. نجرّب ..

معه .. العناق!



عانقت نفسي ، وخرجت من الشقة ، أبحث عن قهوة لأحشوها كإسفنجة في شلالات عقلي ، تخلّق داخلي صديق جديد ، يهذي طوال الطريق ، يمازحني ، ويسرد ملاحظات ممتعة ، أبتسم لها . صدقت أنه شخص آخر فقد كان صوته مختلفا ً ! كان يتحدث بصوت خفيض ممزوج بشيء يشبه النعاس ، كان لاذع السخرية من كل شي ، كان رائقا ، ودمه خفيف . ربما كانت الحمى تبخر شيئا من الدماء في قدور الأوردة المصمتة . كان يقول متأوها "إيييه يا حزم الظامي "هازئا بي ، ويغني أشياء سخيفة ، ويرمقني بنظرة عابثة ساخرة حينما أتوقف لألتقط أنفاسي "لايا شيخ ، أقول امش انت ووجهك ! " . بعد نوبة عطاس وسعال ، تأوهت دون قصد فسمعته يقول :"وش بلاك تونون كنك عجيّز بتولد " كان يتحدث وحيدا ، ولم يكن بي طاقة للرد ، بحثت عن صوتي الأول فلم أجده . كان يدغدغني لأضحك بطريقة هستيرية على العجوز الذي سقط في البركة حينما سجد في حلقة الأمس من "طاش ما طاش" . ضرب بالناس عرض الحائط ، وأعارني ساعديه .

عدت إلى شقتي ، تركته قليلا ،كان كطفل أضحك معه حينا ، وينغزني كل حين . فكرت في الذهاب إلى المستشفى ، الطواريء ستكون مزدحمة الآن ، ليس بي طاقة على الانتظار ، تذكرت نصيحة أمي بأن أرى "طبيبا" . ذهبت إلى مرآة الحمام و نظرت إلى نفسي! باغتني الصوت :"سلامات " ، ثم أردف قبل أن أجيب : " مافيك الا العافية ، رح نم " ، ابتسمنا سوية ، ابتسامتي متعبة ، وابتسامته حنونة ، مع قليل من السخرية ، وشيء من الثقة بي ، مشينا إلى السرير متلاصقين ، عانقته ، ونمت .


Ottawa ,
Aug. 29th, 2009

Saturday, July 11, 2009

عبدالعزيـز




عبدالعزيز ، قادمٌ صغير آخر ، تخلّق بعيدا ، وولد بعيدا ، وأرسلوا صورته إلي ّ .

حجرة صغيرة أبنيها من أجله في عقلي ، على الحساب ، يملؤونها عنه بالنيابة عبر الهاتف ، كصندوق ذهب ، توضع فيه أوراق مكتوبة : (عقد ثمين ) ، (سلسال ) ، (قطعة ذهب تستعصي على الوصف ) .

لا أملك سوى أن أرتب الأوراق في الحجرة ، وأتخيل .

هاتف يربط بين عالمين ، رجل في سيارته ، في ساعة الغداء ، السماء تمطر ، الأشجار خضراء ، والناس تحمل مظلات المطر ، وهناك على الطرف الآخر من العالم، مجلس نساء ،سرير ، و طفل جديد ، وقهوة ، ودعوات تختلط بأزيز المكيف ، ورائحة القرفة ترقص على الأنوف .

كيفك اليوم ؟كيف عزوز ؟

الحمدلله.. تمام

عندكم ناس ؟

ايه

هاااه بشري كيف النقوط !؟

اقول ؟

نعم ؟

نقطنا بسكوتك !

أختي التي تمنت عليّ أن (أنقطها بسكوتي ) وتمنيت لو أن لدي شيء آخر أنقطها به ، تعرف أنني لا أملك سوى سكوتي .

أما لطفلين أصبحت ، ستصبحين (قاضي بهالبيت) عما قريب. تطلبين من الأخ احترام أخته ، ومن الأخت العطف على أخيها . ستضعين في حقائب المدرسة فطيرتين . وتزيدين كوبا من الرز ، وتدخلين علينا بكائنين يشبهانك يوم الأربعاء .

أم عبدالعزيز ، أصبحتِ إذن ، خلف ظهري . أحضرت إلي حنان أخا دون استشارتها ، أصبحت أما لطفلين أيتها الصغيرة ، هكذا ، بلا مقدمات . فجـأة ، كذلك الرجل الذي تعلم كلمة فجأة، نكتتك السخيفة المفضلة ، الرجل الذي أراد أن يستخدم كلمته الجديدة فسأل البائع (عندك بيبسي ، فجأة ميرندا ؟ ) . أما أنتِ فأنجبتِ حنان ، فجأة ، عبدالعزيز .

أما أنا ، فرغبت ، فجأة ، في أن أعود ، أن أراك ِ ، وأراه ، أن أحضر ، و(أنقطك بسكوتي )، وأتأمله صامتا .



أتاوا - يونيو -2009




Tuesday, May 26, 2009

رماد..ي ...






يحصل لي مع النثر ، ذلك الشيء عينه الذي حصل لي مع الشعر.   أنكب على أوراقي ، وجهازي كي أكتب ، لا أفكر بمن يقرأ ، أشكل  الرماد المحترق على هيئة رسوم ، تبهرني ، ولا أظن بأنها تبهر أحدا آخر ، أنا وحدي أعرف من أين أتت تلك النقطة الرمادية الصغيرة ، أنا وحدي أتذكر متى ابتدأ السواد الضئيل  بالحضور .أتذكر جيدا ، الأحمر المتوهج ، لم أكن لأصدق أحدا يقول لي أنه سينطفيء . أتذكر أنه  حينما انطفأ ، ثبت معه تفاصيل احتراقه ، بدت كتمثال لا يمكن أن يتغير ، تمثال صخري ، لم ألبث أن أدركت أنه قابل للبعثرة بلمسة صغيرة ،أو بنفخة هادئة  . كغبار . غبار لا يتلاشى ، غبار يتبعثر فقط ، يختفي بين الأشياء ، حتى تهب رياح الذكرى ، فينتفض انتفاضة ميت يفيق  .

  عندي وليس عند أحد آخر ، أتخيل كيف يمكن للزمن أن يتــــباطأ حد التوقف وأنا أراقب ما تصنع نفختي ، الرماد المتاقفز ، ذرة ذرة ، والقوس الذي تكون ، القوس الذي يدل علي من بعــــــــــيد . القوس الذي أعرف كيف يشبهني ،القوس  الذي كان أبسط ما فيه شكله .

شكله هذا ،هو بالتحديد ، ما جعل همهمات الآخرين تصل إلي ّ ، رفعت رأسي ، ابتسمت ، تفرست في وجوههم البالغة اللطف. شعرت في داخلي أن ذلك الشكل البسيط هوالجزء الأسهل  في التشكيلات  التي صنعتها ، وتطلعت إلى السماء .

من هنا ، ابتدأت العقبات تتناسل .  النظرات الفاحصة للرماد بدأت توترني ، خشيت أن أبدو كمعتوهٍ يتعرى بلا سبب، ويحترق بلا سبب  . فكرت في أن أستعمل رمادا آخر ، رماد الآخرون ، ورماد وطني ، ورمادٌ  أتخيله .  فكرت في أن أفتش عن أقواس ٍ أخرى ،  أقرأ عن أقواس ٍ أخرى . كانت السماء مليئة بالأقواس ، وتلك البعيدة تبدو أكثر سحرا ، فتشت حولي فلم أجد سلما ً ، وتذكرت أني نسيت الرماد الذي يتكوم في قلبي منذ زمن  .

 حينما عدت إليه ، وجدته كثيفا ، أكثر من أن أنفخ فيه دون أن يصيبني بالاختناق . وأكثف من أن يفسح مجالا لخلفية تشاركه صنع شيء يستحق أن تنظر إليه الوجوه البالغة اللطف .

سأنثره هنا كلوحة ركيكة ، أقبل بأن أعلق مثلها ، لأنها علمتني شيئا . علمتني أنني لا أستطيع أن أنفخ جيدا إلا حينما أحترق جيدا . علمتني أن الرماد الذي يبيت في قلبي دهرا ، يختلط بدماء تتخثر ، تجعلني ثقيلا ، وتجعل نفختي تنثر الرماد على الرماد بلا خلفية لسطح أبيض ، بلا تباين يدركه  الآخرون ، وإن أدركته أنا .   

أنا الذي يثير  الرماد ذاكرتي  كخشبة ، وأفكر بالخريف كشجرة  .لا يهم كثيرا ما أدركه أنا . جمجمتي نافذة بزجاج أحادي الجهة ، أرى كل شيء ،     ولا أ ُرى . الرفوف المليئة ، القصص  القديمة ، الأفكار المبعثرة على ورقاتٍ صغيرة ، اللوح ، والموسيقى  ، الحبال التي تربط الأشياء ببعضها . قلمي بخيل ، ولساني أبخل .

الصورة في الداخل جميلة ، متشابكة ، ومبهرة ، ولا سبيل لنقلها ،  كالتباين بين أوراق البردي ، والأهرامات . كسور الصين العظيم وتلك القطعة التي تباع  ببضعة قروش في الأحياء الصينية البعيدة  . كشلالات نياقرا ، والبلاستيك المختبيء في زجاجة رخيصة .  كعقلي ، و... أنا !

 

الفرج في النافذة صغيرة ، الرماد كثيف ، والسطح بعيد ، وخداي منهكان !

 

متعب

مايو 2009

أتاوا 








Wednesday, April 1, 2009

وأنهض











و .. أنهـض



..

 

Tuesday, March 31, 2009

أحن إلى خبز أمي

 



هرمت.. فردي نجوم الطفولة

حتى أشارك صغار العصافير
 
درب الرجوع لعش انتظارك
 
 
 
..
 
محمود درويش 
 
 
 
 

* photo by :Sandy Powers

قطرة تتكور على نفسها

 




الأمس القاتم ، الملطخ بالوحدة ، وضعت آثارها في كيس أسود ، حملته سيارة الصباح شرقا ، وتوجهت غربا إلى المستشفى .

 

رجل الأمن العجوز ، يسألني عن يومي ، وقبل أن أجيبه يقول : أتعرف ، كل يوم هو يومٌ جميل ! جملة سطحية ، ربما تتزحلق على قشرة المخ وتسقط ، لكنه عرف – لسببٍ أجهله-  كيف يحشرها بين التعاريج ، فتعصر قليلا من السيروتونين والدوبامين  ، تحرك عضلات وجهي بابتسامة ، لا تختفي حتى تبدأ جملته المحشورة بالذوبان ، رويدا رويدا ، وتتحرر عضلات وجهي تدريجيا مع عودة ذلك الجزء من المخ كخد يلتصق بالزجاج يسحبه أحدهم بحركة بطيئة .

نعم ، كل يوم ، هو يومٌ جميل .

أذهب إلى دكان صغير في طريق عودتي ، أرى عجوزا آخر ، تصحبه ثمانون سنة عاشها ، تقف بجانبه ولا تحط على كتفيه ، يوقع أوراق اليانصيب ! أتمنى أن أعرف ماذا سيفعل بالملايين لو فاز بها ، أفكر ، كيف يستطيع أن يبتسم ويبدو مرحا ، إذا كان خلال ثمانين سنة كاملة، لم يحقق ما يريد ! التفسير الوحيد ، هو أن يكون قد حقق مايريد ، ولكنه يملك نفسا لا ينقطع ، ورقبة لا يستطيع بها الالتفات إلى الخلف ، وأقداما لا تعرف كيف تتوقف عن الجري ، حتى لو كان ذلك الجري ، لعبة احتمالات يراقبها من فوق كنبته في دار للعجزة .

أعود إلى الشقة ، أفكر في الآخرين !آه ..  الآخرون . الغرباء ، والأشقياء ، والتعساء ، والكاذبون ، والأوفياء ، الصادقون ، والأغبياء ، المحتالون ، والأذكياء ، المجانين ، والعقلاء ، الموسوسون ، والصامتون ، والحكماء .  الغريبون ، واللطفاء . الفرحون والتعساء ، الممتعون ، والمنفرون ، الرائعون ، والذين تشفق عليهم وتحزن من أجلهم ، والذين يجعلونك تشفق على نفسك . الحزانى بلا سبب ، والراضون رغم كل شيء .

خليط متشابك ، كمستنقع عظيم ، سميـــــــــك ، ولزج ، ومتموج .  تنظر إليه، كأنك قطرة تتكور على نفسها في حافته  ، تدرك جيدا أن به ماءا نقيا ، وذهبا مصهورا ، ونفطا قد يلوثك قليلا لكنه سينفعك في آخر المطاف ، ونفطا خاما سيسدد لك فاتورة تعبك مضاعفه لو نقيته واعتنيت به . وطينا لا ينفع في شيء . أرى نفسي قطرة ماء تتكور على نفسها على حافة الخليط العظيم  ، ويتصرف كموج تحركه رياح لا أراها ، من الممكن أن يبقى بعيدا دون أن نتلامس ،  يقترب ، ويغير رأيه قبل أن يصل فيعود أدراجه ، ومن الممكن أن يلمسني ، ومن الممكن أن يغمرني تماما ! يغمرني ، وأحاول الهرب ، كسلحفاة فاجأها موج بارد ، أرهق كل أطرافي في محاولاتٍ لدفع الكرة التي أتمدد داخلها ، وأبذل من الجهد ما يجعلني أعتقد أنني وصلت إلى مستنقعٍ آخر –إن كان هناك مستنقع آخر – لأكتشف أنني لم أتحرك سوى قيد أنمله ، أتمدد داخلها من جديد ، وأدفع سطحها الداخلي المليء  بطبعات كفوفي وأقدامي المشدودة ، فقط لأبقى في مكاني .

  لا أعلم مالذي يحركه نحوي في الزاوية التي أتموضع بها ، ربما كانت قطعة ذهب منسية ، قوية بما يكفي لتحرك الأشياء في اتجاهي ، تبحث عن ماء يزيل عنها السواد فتلمع من جديد ،أو طين يريد أن يتخفف من ترابه . أو قطرة ماء ، كانت تقف مثلي على الحافة يوما ، وتريد أن تعود لتتحد بقطرة تظنها نقية . وربما أقدار ريح ، تتصادف مع أقدار موضعي ، والجزء الذي يليني من ذلك الخليط .   أفكر في أن أبدأ رحلة ملحمية أفقية على الأطراف ، لأبحث عن قطرات أخرى ،لكنني  لا أستطيع أن أرى جيدا من خلال الماء ، في محيط نظري (المائي ) لا أرى أي قطرة تقف ، والتحرك البطـيء الأفقي سيستهلكني ، كمغامرة لا أعلم شيئا عن نتائجها .

حتى إنني لا أعلم شيئا عن فيزياء الزمان والمكان والمادة هنا ! زمانياً ربما كان هذا هو  الوقت الذي استهلكته كل عناصر الخليط الذي أرى في تقرير أين تقع ، وربما كان الوقت الذي سأقضيه لأدور دورة بسيطة على الأطراف أقل من الوقت الذي أقضيه متكورا .  ومن الناحية المكانية ، ربما المكان أصغر بكثير مما أعتقد ، وربما كانت هناك تجمعات مائية أخرى ، لكنني لا أعرف كيف ألتفت داخل قطرة بأطراف مشدودة ، وموضعي على الزاوية وتحديقي بها ،  يشبه نملة تحدق في فتحة ترابية في غابةٍ نيجيرية ، بالنسبة إلى الكوكب . أما من ناحية فيزياء المادة ،  ربما كنت أصلا داخل الخليط –وهذا احتمال وارد جدا – لكنني أملك خصائص فيزيائية تفصلني عن البقية ، كما يملك البقية خصائص تفصلهم عني ، والسواد الذي يتسرطن على سطح كرتي بألوان قزحية وأهرب منه ما هو إلا طريقة للتمازج والتحول البطيء والنمو .

أمي ،ببساطة ،  تقول أنها تعرف كيف تقتنص المناطق الأنقى من الخليط ، تقول أنها ستغرف لي منه ، وتسكبه عليّ . تردد دائما أن الحياة بلا قطرات نقية .

لا ريب أن ثمة قانونٍ كوني ، يجعل قطرة حبر أسود تصبغ كأسا من الماء النقي . وكيسا من القمامة تطغى رائحته على حقل من الأزهار ولو كان في آخر أطرافه .  ربما كل ما يلزمني أن أغلق أنفي قليلا ، وألتقط الأزهار وأرحل بها إلى مكان ٍ آخر ، ولكنني أفكر أكثر من اللازم !

ربما يلزمني أن أغسل السواد مباشرة ، وأتحرك في اتجاه آخر بدلا من أن أسترضيه وأطلب منه أن يبعد لزوجته والتصاقه عني إذا سمح ، وأخبره كم هو العالم مليء بسوادٍ آخر سيفرح به . أن أتوقف عن الشفقة عليه دون أن أعرفه ، والتفكير في وجهة نظره من الأشياء .وإمكانية وجاهة فكرة التخفف بالماء .

ربما فقط يلزمني ، أن آخذ نفسا عميقا ، وأتوقف عن الخوف من السواد الذي يعلق ، وغرابة الريح ، ووقاحة الطين ، وأذهب للخوض في الخليط كفلاحٍ يلبس حذاءا جلديا بعنق طويلة

،يهرس الأشياء في طريقه ،  يلتقط ثماره ، ويرحل ، وينسى كل شيء بعد أن يغتسل ، ويقضم الثمار  الطازجة على ظهر كنبة بيضاء !

 

 

Ottawa , Feb 2009

الكتابة



الكتابة ، السيدة الوحيدة في العالم التي أستطيع أن أهجرها وأعود إليها ، فأجدها كما كانت . أدرك أنها تعطي مفاتيح مدينتها الدافئة لأناس كثر ، لكنها لا تخجل من أن تفعل ذلك في ضوء النهار . لا تكذب بشأن ذلك .لا تتخبأ تحت الأغطية المريبة ، لا تتستر بالظلام ، لا تكتم ضحكاتٍ ماجنة  خلف أبواب بريئة ، ولا تفوح منها رائحة الخطيئة .

 

غرقت في البحر ذاته الذي لم أتعلم بعد كيف أعوم فوقه ، لكنني لم أشأ أن أقول شيئا بأنفٍ متحشرج . أستلقي الآن فوق خشبة لم يجلبها الموج صدفة ، ولا كرما . أظن أن أفضل ما يمكن أن أفعله الآن من فوق هذه الخشبة ، أن أرحل ببصري بعيدا ، شربت من ماء البحر المالح ما يكفي ليخالط أنفاسي ، ويصطدم بأنوفكم  ، لا حاجة لي بأن أتقيّأه أمام أحد  .  أتصور أنني لو تحدثت عن قطعة ثلج نسيها الهواء الدافي الذي مر بعدها في زاوية الرصيف  لذابت في مكانها دون أن أدري . 

طائرة الذهاب ، وأحلامي المرتبة داخل علبة شوكولاته لم يتناولها أحد ، والساعة التي قضيتها هناك ، دموع أمي ، ضحكاتها ، والطفل الذي يحمل تاريخ ميلاد يصلح لسيارة فارهة ، صديقي الكهل الذي يتعذب ويعذب ،  أصدقائي الصغار الذين يكبرون في الاتجاه الخاطيء ، عشي الذي أردت أن أعيد ترتيبه ، وابتدأت أشعر بأن أعواد القش أثقل وأندر مما كانت عليه ، مدخراتي التي تتبخر أمام عيني ، الأحداث التي ترسل الناس إلى المستشفيات والسجون والشوارع وأرسلها إلى زاوية ممتلئة بالأشياء المكدسة في زاوية قلبي اليمنى. أضغطها جيدا ، وأحشرها حتى تختلط باللحم وتبعد عن الدم . أحشر بين كل عاطفتين مؤلمتين عاطفة جميلة ، ولا شيء أصعب من محاولة إخراج العاطفة الجميلة بعدما تتعفن بيد عمرو لا بيدي . بعد أن أدركت أن يد عمرو باغية ومتقلبة وتفعل مايحلو لها ، ابتدأت بتجنب وضع عواطف جميلة ، حتى لا آتي بعد زمن لإخراجها، وأنكث كل الأشياء المضغوطة فتتمدد ، وأرهق إبهام عقلي في محاولاتٍ لحشرها مرة أخرى في الزاوية .

أي سخف يجب أن يستوطن عقلي ، قبل أن أحاول أن  أعصر كل هذا في كأس واحد من الحروف .

أفكر أن أكتب شيئا كرسائل جوته التي ضمنها روايته (آلام الشاب فيرتر)  . أو كسقف كفاية علوان . كم أحتاج من الزمن والجهد والألم ، لأقطر نفسي في قارورة كتاب . لأتحدث عن كل الأشياء الصغيرة ، التي أراها جيدا ، التي تضيع في زحمة الناس ، والمدن ، والسيارات .  كم أحتاج لأدوزن كل النغمات الخافتة ، التي يغطيها الصخب ، كم مقصا أحتاج لأطفيء  كل المصابيح الكهربائية ، وأصف  رصيفا باهتا ً يجالس الليل  . كم قلبا أحتاج لأتحدث عن ذلك الذي لم يعد صالحا للكتابة  ، أي حبال ، ومواد لاصقة ، وخفة (عقل) تجعلني أبدو ساحرا    ، سأحتاج أن أستخدم ، لأربط صوت محمد عبده ، بالبرد ، بشوقي لأمي ، بالطائرات التي تذهب بي وتعود ، بالأرصفة ، والشوارع ، والأوجه الغريبة ، والأوجه المألوفة ، بالمرضى ، وسيرهم الذاتية ، التي أحاول أن أغير فيها دون موافقة صريحة من طرفهم ، والمشردين ، وابتسامات باعة القهوة ، وهدوء أمينة المكتبة ، بالليالي الطويلة على سريري ، والليالي الراكضة في المستشفى ، والليالي  الناضحة بالصداع والبرد ، والليالي الضاحكة ،  بالصباحات الهادئة ، والطرق المنسابة ، بالنهر الهادي ء ، وذاك القارب الصغير ، بشعور الفرح ، وشعور الوحدة ، وشعور النشوة ، وشعور اللاشيء. كيف أربط أشعار ناجي ، وغزليات ابن زيدون ، وبلد رسول حمزاتوف ، و(مسوخ ) كافكا ، بتعليقات قراء الجرائد السعودية ، والمقالات التي تنخر في مزاجي ، وسخافة (بنات الرياض) التي أشعرتني بشعور رجل أمريكي حدثته عن مشاهدة برنامج (جيري سبرنقر)عن طريق (أوربت) السعودية وكيف أنه يتعرض لدواخل المجتمع الأمريكي ، ورأيته يلوي فمه  ، ولم أفهم حينها شعوره . ظننت أنه يخجل من تعريته بهذا الشكل ، وتعلمت فيما بعد كم هي الانتقائية فعل خائن جدا ، يلوي عنق كل شيء.  كيف لي أن أربط هذا بمكالمة  تعكر مزاجي في الرابعة صباحا . وكيف ألمح بذكاء إلى علاقة سهري في المستشفى، وقضاء ساعات أربع مع مريض وعائلته ، أهون عليهم ، وأستمع لهم ، وأحاول أن أساعدهم ، بتلك الخائنة التي تعهرت فجأة . !

كيف لي أن أربط أغنية غوار ، التي أدندن بها في مساء سعيد ، (شو حبيتي بنص نصيص هالبورزان ) ، بتلك التي أحبت نص نصيص ، كيف أصف الثانية التي أغمض فيها عيني وأنا أكتب التاريخ على روشتة الدواء وأتذكر ، هذا التاريخ الذي كان سعيدا لسنين ، وأصبح عاديا جدا ، أتذكره فقط بعد أن أنتهي من كتابة ، ويثير في ّ كآبة خفيفة ويرحل  !أبتسم لنفسي ، ولا يسألني أحد لماذا أبتسم !

 كيف أجد علاقة بين زحمة شوارع الرياض ، ووجوهها الغاضبة ، بتقاطيع وجه غاضب في غرفة الإسعاف أمر من خلاله إلى الرياض مرة أخرى . كيف أجمع بين السعوديين الذين لا يفكرون باحترام الآخرين ، وعجوز يبقي لي الباب مفتوحا بعكازه في جملة واحدة . كيف أجلس على مقعد أرى من خلاله عالمان ، وانتقل بينهما برشاقةجنّي .

، كيف لي أن أجمع الأحداث كلها ، ابتداءا بسحب طرف كم كنزتي لأقوم بتدفئة أصابعي ، مرورا بحادث سيارة سائقنا الذي ذهب بالسيارة للتشليح ، وارتعاش صوت أمي ، انتهاءا بعناق ٍ باكِ ، وأخرج العوامل المشتركة ، فيما بينها وابدأ بالحديث عن الأشياء التي تملك أربعة أشياء مشتركة فيما بينها فما أكثر ، وأخلطها في أنبوبة حبر ، تكتب فصلا ً ، وتتوقف .   ثم أقوم بعمليات حسابية معقدة ، تعطي الأشياء أرقاما بناءا على أهميتها ، ومن ثم تعطيها رقما آخر بناءا على علاقتها بالأشياء الأخرى وعدد العوامل المشتركة ، ورقما هو ناتج مربع حجم الدم الذي تضخه في عروقي مقسوما على حجم الدم الكلّي .واجمع الأرقام لكل (شيء) ، وابدأ بالأشياء الأكبر فالأصغر .

يؤرقني الكلام الذي لم أقله ، أنماط التفكير التي أتفرج عليها وأود أن أعلّق ، وليس ثمة آذان ، الأغلاط المنطقية الفاضحة في الجرائد ، الفئران التي تدور في علب زجاجية ، ولا أدري بأي لغة أحدثها لأخبرها عن أبوابٍ لا تراها ، أفكر فيما اذا كان هناك فأر مغتر بنفسه بينها يفكر في شرح الشيء نفسه للقش الأصفر تحته . هل أنا أهم أم أتفه مما أظن ؟  لا أحد يخبرني   .  لا أحد .

كيف أنسج كل هذا في سجادة واحدة أجلس عليها ، أو في معطفٍ أتلحفه ، أو رقعة فنية أعلقها ، أو جورب ألبسه في قدمي ، أو هل يجدر بي أن أكومها ككرة من الخيوط وألقي بها في الزاوية ، أو هل من الأفضل أن ألقي بها في سلة المهملات ، أو ربما من الأهون أن أترك الخيوط تتناثر في كل مكان ، الملقاة وحدها كخيوط مبعثرة ، والناتئة  ، لا سيما تلك الناتئة المتصلة بأشياء أخرى ، ليس من الحكمة جذبها ، ومحاولة وضعها في نسيج آخر . ربما . يجوز .محتمل .  لن أعرف إلا عندما أتلحف المعطف ، وأستلقي على السجادة ،أو يدغدغني الجورب ،  أو أتأمل الرقعة .وحينها ستكون أي محاولة لإلقاءها في سلة المهملات متأخرة جدا وعبثية جدا .

 ومضيعة  للوقت . والدم . والأرقام . والتفكير . والحبر . واستثمارا سيئا لآذان لن تبقى طويلا . وخيوط كان بإمكانها أن تنسج نسيـجا خالدا .

 

أتاوا - ديسمبر -2008 

رمضان الكندي مرة أخرى ، وكرة الصوف







عاد رمضان الكندي . كانت أول مرة أقابله فيها منذ عام ، كنا نحترم بعضنا كثيرا ، أجلـلته ، وغمرتني سكينة لا أظن أنني كنت أتصنعها . واحترمني بدوره ، كان يربت على كتفي حينما أفطر وحيدا ، ويرسل لي صوت أمي يسألني عما صنعت من فطور ، وكيف هو الصيام هنا .

إلا أنه في هذا العام ، على أنني ما رأيته منذ سنة ، جاء كصديق قديم ، يصفعني على قفاي ويضحك .  يرونه أهلي في الرياض من بعــــيد ، أنا وهو ، نقطتين متعانقتين ،ومعرفة سابقة ،  ولا يسألني أحد عن التفاصيل .

كم استثقلت حضوره في بداية عودته . وقته أطول . عمله أكثر . وروحانيته أقل .  صداعه يمتد من الثامنة صباحا وحتى السادسة مساءا . قبل أن أنام وأصحى على صوت المنبه الذي يؤذن بطريقته الخاصة .

في اليوم الأول ، عزمت نفسي على سفرة أرضية ، صنعت قهوة عربية ، ووضعت حبات من التمر قبل أن أكتشف أن صلاحيته انتهت ، وإبريق شاي ، خبز ٌ دافيء ، وزيت زيتون ، ولبنة . وعادت الروحانية بجيوشها ، بحثت عن مصحفي الصغير . كرهت تفكيري الطفولي  ، جالست رمضان الكندي على السفرة ، وأعتذرت عن سخافتي ، واستثقالي لحضوره ، توقف عن الضحك ، لم يتوقف عن صفعي في الأيام التالية ، لكنني كنت أحتسب الصفعات ، وأبتسم .

كل يوم ، له خريطة  خاصة به ، قبل أن يؤذن المغرب ، وأصل إلى الكنز . ثم أتضاءل أمام نفسي حينما أفتح الصندوق . أعزم أن أكون أكثر صبرا ، ويزيد صبري في كل يوم ، إلا أن الخريطة تتغير في كل يوم بدورها  .

قررت أن أطلب من  رمضان أن يعلمني  الصبر ، وتقدير نعم الله علي ، في اليوم التالي ذهبت إلى المستشفى في الثامنة صباحا ، قبل أن أغادر بعد أن انتهى الدوام إلى البيت منتظرا (بياجر) المستشفى الآخر ، أولها جاء في السادسة ، ذهبت إلى هناك ، وأفطرت على قهوة ، على مرمى من عين المريض الذي جئت لأراه . لم أغادر إلا في الواحدة والنصف صباحا ، لم أجد أحدا يستقبل جياع الليل سوى ماكدونالدز ، أخذت مكاني واقفا بين الكثير من المراهقين الصاخبين ، والصاخبات بعد أن شربوا كل مافي علب الليل قبل أن تغلق ، وتلفظهم إلى الشارع .  شعرت وكأني حصان على شجرة قرود . ابتسمت للفكرة ، وظنت قردة سوداء أنني أبتسم لها ، تأكدت من فكرتي ، لو لم أكن حصانا لما لاحظتني بين هذا الكم من القردة .

أكلت صامتا كطفل يقضم رغيفه في الزاوية . أتحسس (بيجري) ، وأحملق في اللوحة على الجدار ، وكأنني أنفذ إلى ما خلفها . أفكر في العودة إلى البيت ، أخبرتني الممرضة قبل أن أغادر أن ثمة مريضة يمكن أن يحولهاطبيب الإسعاف إلينا ، لكنها لا تعلم متى ستكون جاهزة .  قررت أن أذهب إلى البيت ، ربما أتسحر بطريقة أفضل ، ربما لا يحتاج الطبيب لتحويلها .

في الدقيقة الثالثة من دخولي إلى الشقة ، زعق  البيجر كديك ٍ لم يدربه أحد على الزعيق فقط  في أوقات الزعيق  ، المريضة تنتظر ، خرجت إلى هناك . قرأت في ملف المريضة ، قابلتها مع صديقها ، قابلتها بعد ذلك لوحدها ، وخرجت لأكلم صديقها ، بكى من أجلها ، ربت على كتفه مطمئنا ،  أدخلتها إلى المستشفى ، وخرجت منه ، فاتني السحور .  لكنني شعرت وكأنني وجدت كنزا دون خريطة . خرجت مبتسما ،  ابتسامة من وافق رمضان الكندي على أن يعلمه الصبر .  توقفت عن النظر إلى الخرائط كل صباح . وأصبحت أفطر دون أن أخرج صناديقا من الحفر .

ذهب الجوع ، والعطش ، وتضاءل صداع القهوة ، والهواء الكثيف . وبقى شوق يتكور في حلقي مع كل فكرة أمضغها ، وأحاول بلعها فتتجمع ككرة من الصوف ، يعلق بها وجه أمي ، رائحة قهوتها ، ركبة أخي الذي يجلس بجانبي ، ابنه الذي لم أره بعد ، ابتسامات أخواتي ، كنبة الزاوية في الصالة ، صوت صلاة الحرم .ثوبي الأبيض .

أشعر وكأن كرة الصوف هذه ، مضمارا طويــلا أركض عليه كجسم ضئيل ، لا يراني أحد بعينه المجردة ، أركض ، وأركض ، وأقابل غابات من الشعر الذي لا يراه أحد كما أراه ، وأقابل الأشياء العالقة ،أتقيها بكفي ،  أشم روائحها ، فلا يمكنني أكثر من ألتفت ، أحس بنغزات سريعة في قلبي ، ونغزات أبطأ ، على حسب سرعة الركض ، وكثافة الشعر ، أشعر بأنه بمجرد وصولي للرياض ، سأتوقف ، وأستلقي على الخيط ، الذي سيتكور سريعا فوقي وتحتي ويصبح كل شيء ككرة صوفٍ صغيرة ، أجلس داخلها  ، وأتناول كل شيء بيديّ بعد أن تكوّر ،  بلاحاجةٍ للركض ،وأملؤ الكرة/الخيط بروائح أخرى ، وأفكار ٍ أخرى ومشاعر أخرى ،  قبل أن أمتطي ظهر طيارة العودة إلى هنا ، وأثبت طرف الخيط في الرياض ، وأمسك كرة الصوف التي تتفرع منه ، وأسحبه معي إلى كندا ، وتتمدد فوقه الروائح ، والأفكار ، والمشاعر ، الجديدة والقديمة .

ربما يلزمني أن أبحث عن جسم ضئيل آخر ، بخيط يشبه خيطي ، ونلصق الخيطين بجانب بعضهما ، باتجاهٍ واحد ، نمشي سوية في الطرق السالكة ، وننتقل من خيط إلى خيط كلما واجهنا غابة من الشعر في أحد الخيطين . فنصل سريعا ، دون نغزات ، لكن مشكلة الأجسام الضئيلة الأخرى ، أنها لا تخبر بكمية الشعر الموجود على خيوطها ، ويستحيل أن تراه بعينك المجردة قبل أن تقترب .  فلا حيلة لي في رؤيته إلا بعد أن لصق الخيطين . وعندها قد تكون غابات الشعر ، هناك ، أكثر كثافة من غابات الشعر على خيطي ، بل ربما تكون كثيفة لدرجة اعتراض خيطي في مواقعه السالكة . وخيطي ، ربما يتفسخ منتجا مزيدا من الشعر حينما يمشي فوقه جسمين ضئيلين طوال الوقت . 

أتخيل أيضاً ، أن ثمة أجسام ضئيلة تائهة في ملكوت الله  لا خيوط لها تبحث فقط عن خيوط تتشبث بها  ، وأخرى بخيوط بلاستيكية باردة لا تتكور ككرات الصوف الدافئة ، و"شعرها" له نهايات جارحة عندما يتفسخ ، ليس كالزغب في الخيوط الصوفية .  وأملك ما يكفي من الإنصاف لأتخيل أيضا ، أن أجساما ضئيلة أخرى ، تتزحلق على خيوطٍ حريرية لا تتفسخ ، ربما سأسعد بالتزحلق فوقها ، لكن لا أدري كيف سيشعر الجسم الضئيل الآخر حينما أحتاج لدفء غابة كثيفة في خيطي الصوفي أريد أن نزورها سوية ، أو حينما أتكور داخل كرة الصوف ، أو حينما أحتاج للمرور من خلال نقطة عبور في غابة كثيفة لا بد لي من اختراقها .

الأجسام الضئيلة الأخرى ابتسمت لي كثيرا . تحاول أن تتشبث بخيطي في مواقعه السالكة . لكنني أخاف من أن لصق أي خيطٍ آخر ، قبل أن أكوّر خيطي ، ونسحبهما سويا .  قدري أن أحمل كرتي الصوفية ، وأبحث عن كرة أخرى  أتشبث أنا بها . وأحاول أن أحكم على تفاصيل الخيط من خلال شكل الكرة . وأسحب الخيطين من الرياض إلى كندا ، دون أن يتمزق شيء .

حتى ذلك الحين ، سألاعب خيطي ، وأتزحلق فوقه كبهلوانٍ ضئيل . أركض فوقه . أكوره وأفرده ، وأتسلق غاباته ، أتجاوز أكثرها تشابكا وأخرج لاهثا ،متعرقا ، متقطع الأنفاس ، وألتفت في كل الاتجاهات، دون أن يصفق لي أحد ! ودون حتى أن يراني أحد !

 

متعب

أتاوا - سبتمبر -2008

ابن أخي ...... !



ابن أخي ، خرج إلى العالم بالأمس ، يلاكم الهواء ، مغمض العينين . سيحتاج مخه الصغير  إلى  سبع سنين ،ليفهمني حينما أخبره ،إذا أمد الله في أعمارنا ،متى ، وأين ، سمعت بخبر ولادته .  وسيحتاج إلى عشرين سنة ، لكي يصبح قلبه الضئيل الآن كبيرا بما يكفي ليشعر بما شعرت به .  

صنع لي قرابة جديدة ، ونحلني لقباً لم أسمع أحدا يطلقه علي من قبل سوى تلطفاً  . أصبحت عمـّـاً .  وأصبح أخي أبـاً . هكذا في اللحظة التي تعقب الخروج من بوابة المستشفى ، وتسبق ركوب السيارة ، تتغير الأشياء .

هكذا دون أن أنتظر ولادة وشيكة ، ودون أن أقل ّ أحدا إلى المستشفى ، ودون أن أسلي انتظار أحد ، ودون أن أختبر ما يتوجب علي ّ فعله إذا كنت هناك .  أرجح أن القادم الصغير ، أطلق صرخته الأولى في الهواء ، وأتبعها بقبضتيه ، وشهق قلب أخي ، وخرج ليحادث أمي ، وقفز قلبها فرحاً لمقدم حفيدها الأول ، وتناثر دمع قليل الملح  هنا وهناك ، وأنا استمع بإنصات ، تعابير وجهي لا توحي بشيء ، قبل أن أخرج من المستشفى ، وتبدأ "شرطات" الحياة دبيبها واحدة واحدة ،في قفر هاتفي ، فينهال السرور كشلال ٍ كان ينتظر على سد في جغرافية ما ، مابين الرياض ، وبين أتاوا .

آه يا أخي ، تركتك في الرياض أخا ، وسأعود إليها لأجدك أبا ، تحمل في حضنك ابنك الصغير . أخبرك كم يشبهك ، وتعيرني إياه لأحمله ، لا يلقي لنا بالا ،يبتسم لنفسه ، ونظن أنه يبتسم لنا .

شعور لا أستطيع وصفه ، ذلك الذي شعرت به وأنا أرى صوره هنا على الشاشة ، ذلك المخلوق الصغير ،النائم في "زهمولته"  يثير فيّ مشاعرا غريبه . ثمة ذبذبات خفيفة ، في رأسي ، تصنع دوخة لذيذة ، وأخمن أنها تحدث لأنني أحفر حجرة جديدة في ذاكرتي ، جديدة تماما ، لم تكن موجودة من قبل سوى كفكرة ، وأصبحت شخصا ، برئتين ، يضع في الحجرة مايشاء ، وليس لي إلا أن أتفرج عليه يعبيء ذاكرتي .

أسبوعان يفصلاني عن ضم أصابعه الصغيرة حول سبابتي الكبيرة ، عن حمل جسده اللين الضئيل ، عن سماع بكائه الذي سيختلف كثيرا عن صوت أي بكاء مشابه ينغض علي نومي في طائرة العودة . عن التفرس في ملامح وجهه بعد أن رأيته صورته كصديقٍ افتراضي . عن تقبيل ذلك الذي صنع لي شوقا جديدا ، لم أختبر يوما كيف أودعه ، ولكنني أعود مشتاقا لرؤيته .

ذلك المخلوق الصغير ، الذي لا يعرفني ، ولا أعرف كم ستختلف بالنسبة له قبلتي عن ذبابة تحط على خده .كل ما أعرفه أنني أريد أن أضع قبلة على خده أكثر من أي ذبابة في العالم ! سأحتاج إلى أسبوعين حتى أصل إلى هناك ،طيرانا !

 

متعب

أتاوا-أغسطس 2008